طه حسيب (أبوظبي)
أكد الدكتور عبد الحكيم الواعر، المدير العام المساعد والممثل الإقليمي للفاو في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، أن الأمن الغذائي اليوم يشكل تحدياً كبيراً جداً لكل دول العالم، وهي تحديات متعددة مترابطة أهمها التغيرات المناخية وندرة المياه، والنزاعات والأزمات الاقتصادية التي مرت على العالم.
وفي تصريح خاص لـ«الاتحاد» خلال مشاركته بأول اجتماع دولي للطاقة هذا العام في إطار فعاليات الدورة السادسة عشرة لاجتماعات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) في أبوظبي، أكد الواعر أن «الفاو» تثمّن التزام دولة الإمارات بدفع أجندة الزراعة المستدامة والذكية مناخياً، وترى فيها شريكاً رئيسياً ومنصة اختبار وتطوير لحلول يمكن تكييفها وتوسيع نطاقها في مناطق أخرى تواجه تحديات مناخية مماثلة. ويكمن جوهر هذا النهج في عدم التعامل مع التكنولوجيا كغاية بحد ذاتها، بل كوسيلة لتعظيم الأثر التنموي، وضمان وصول الابتكار إلى صغار المنتجين، وتعزيز صمود النظم الزراعية والغذائية في مواجهة المخاطر المناخية المتزايدة. 

  • د.عبدالحكيم الواعر

 


وأوضح الواعر أن النظم الغذائية والزراعية تحتاج القدرة على الصمود، لمواجهة هذه التحديات، خاصة الطاقة والمياه، حيث ينبغي أن تكونا في متناول صغار المزارعين الذين ينتجون 70 في المائة من غذاء العالم، خاصة أن معظمهم لا يستطيع الوصول إلى الطاقة بطريقة مباشرة. وأوضح الواعر أنه لا يمكن تجاهل الطاقة، خاصة المتجددة، ودورها في المنظومة الزراعية والغذائية، فالطاقة مصدر أساسي لضخ المياه سواء من مصادرها مباشرة أو على مستوى المزارع والقنوات وتصنيع الغذاء وتوزيعه وتخزينه ونقله وكل سلاسل القيمة المتعلقة بالنظم الغذائية والزراعية.
واستنتج الواعر أن هناك ترابطاً شديداً بين الطاقة، خاصة المتجددة والمياه والغذاء، ضمن رؤية تتم برمجتها في مشروعات «الفاو» بالشراكة مع المنظمة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا» وصندوق المناخ الأخضر، وغيرها من المؤسسات التي لها علاقة مباشرة بالربط بين الطاقة المتجددة والمياه والغذاء، لتحسين النظم الغذائية والزراعية لتكون أكثر كفاءة واستدامة وشمولاً دون ترك أحدٍ خلف الركب.
التغيرات المناخية تؤثر بشكل مباشر على النظم الغذائية والزراعية، وأكد الواعر أنه إذا كنا نسعى لرفع كفاءة وشمول واستدامة النظم الغذائية والزراعية فعلينا استخدام الطاقة المتجددة في هذه النظم، لوضع التغير المناخي في الاعتبار، عبر تقليل الانبعاثات والتركيز على طاقة متجددة من الرياح والشمس. وأضاف الواعر: يمكن لمبادرة مثل FAST التي تم إطلاقها في قمة «كوب27» المناخية بشرم الشيخ المساهمة بشكل كبير جداً في تحقيق الاستدامة والتكيف في قطاع الزراعة والغذاء من خلال استخدامات الطاقة النظيفة من أجل الحد من تداعيات التغير المناخي التي تلحق الضرر بالقطاع الزراعي.
وتجدر الإشارة إلى أن (الفاو) و(آيرينا) جددتا في يناير 2025 مذكرة التفاهم بينهما لأربع سنوات إضافية حتى يناير 2029، بهدف تعزيز حلول الطاقة المتجددة في النظم الزراعية والغذائية والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ومن المأمول أن تسهم هذه الشراكة في تعزيز الأمن الغذائي في دول الجنوب العالمي.

خطوات عملية
وأوضح الواعر أن الشراكة المتجددة بين الفاو وآيرينا تركز على تحويل المبادئ إلى إجراءات عملية ملموسة لتعزيز الأمن الغذائي في دول الجنوب العالمي، انطلاقاً من إدراك واضح لحقيقة هيكلية مفادها أن فجوة الطاقة لا تزال تمثل أحد أبرز العوائق أمام تحقيق هذا الهدف.
فاليوم أكثر من 500 مليون من صغار المزارعين حول العالم - الذين ينتجون أكثر من ثلث الغذاء العالمي ويعملون على ما يزيد على 80 في المائة من الأراضي الزراعية - يفتقرون إلى الوصول الموثوق للطاقة الحديثة، الأمر الذي يحدّ من الإنتاجية، ويزيد من الفاقد بعد الحصاد، ويقوّض القدرة على الصمود في مواجهة تغيّر المناخ والصدمات الاقتصادية.
حلول الطاقة المتجددة وفي إطار الشراكة الممتدة حتى يناير 2029، تعمل الفاو وآيرينا مع الدول على دمج حلول الطاقة المتجددة اللامركزية عبر مختلف مراحل سلاسل القيمة الزراعية، بدءاً من الري والإنتاج، وصولاً إلى التخزين والتبريد وتصنيع الأغذية. وتشير البيانات إلى أن ضعف البنية التحتية للطاقة يسهم في فقدان ما يصل إلى 40 في المائة من الغذاء قبل وصوله إلى الأسواق، وهي خسائر يمكن الحدّ منها بشكل كبير عبر سلاسل تبريد تعمل بالطاقة النظيفة.
كما تهدف الشراكة إلى دعم الدول في إدماج الطاقة المتجددة ضمن سياساتها الزراعية والمناخية، وبناء محافظ استثمارية لمشروعات قابلة للتمويل، تشمل أنظمة الري بالطاقة الشمسية وحلول التبريد والتجفيف والمعالجة. ويضمن هذا النهج الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ الفعلي على أرض الواقع، وتحقيق أثر ملموس ومستدام على الأمن الغذائي وسبل العيش الريفية.

الأمن الغذائي والعمل المناخي والطاقة
وفي حواره مع «الاتحاد» أوضح الواعر أن النظم الزراعية والغذائية تقف عند تقاطع ثلاثة تحديات عالمية رئيسية، هي الأمن الغذائي، والعمل المناخي، والطاقة. فهي تستهلك نحو 30 في المائة من الطاقة العالمية، وفي الوقت نفسه تمتلك القدرة على الإسهام في خفض ما يقرب من ثلث الانبعاثات البشرية العالمية إذا ما أُديرت بكفاءة واستدامة.
ومن هذا المنطلق، يقول الواعر: تنظر «الفاو» إلى الزراعة ليس فقط كقطاع متأثر بتغيّر المناخ، بل كعنصر محوري في الحل. فالاستثمار في الزراعة المستدامة، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، والحد من الفاقد والمهدر من الغذاء، يحقق مكاسب مزدوجة تتمثل في خفض الانبعاثات من جهة، وتعزيز الأمن الغذائي وسبل العيش من جهة أخرى.
ضرورة ملحة وأكد الواعر أنه في ظل تسارع الاحترار العالمي، لم يعد إدماج الزراعة في العمل المناخي خياراً سياسياً، بل ضرورة ملحّة مرتبطة بعامل الوقت، إذ إن تأخير التحول في هذا القطاع يعني فعلياً تأخير تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ وتحسين جودة الهواء.
ولأن الابتكارات في مجال الطاقة المتجددة تحقق اختراقاً في خفض انبعاثات القطاع الزراعي من غازات الدفيئة، سواء من خلال الميثان وأكسيد النيتروز، أو عبر الفاقد الغذائي الذي يُقدّر بنحو ثلث الإنتاج العالمي، والذي يولد انبعاثات إضافية عند تحلله في المكبات، فإنه لمواجهة ذلك، نحتاج إلى حلول تقلل الانبعاثات مع تحسين الإنتاجية والقدرة على الصمود.
وضمن هذا الإطار أكد الواعر أن الطاقة المتجددة تضمن تخفيض الانبعاثات، إذ إن تشغيل أنظمة الري والتخزين والتبريد والمعالجة بالطاقة النظيفة يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري، ويمنع خسائر الغذاء التي تؤدي إلى انبعاثات الميثان. فعلى سبيل المثال، تسهم سلاسل التبريد العاملة بالطاقة الشمسية في الحفاظ على الغذاء ومنع وصوله إلى المكبات.
وأضاف الواعر: تتيح الطاقة المتجددة تحسين إدارة المخلفات، من خلال تحويل النفايات العضوية إلى طاقة حيوية بدلًا من انبعاث الميثان، فضلًا عن دعم الزراعة الدقيقة التي تحسّن استخدام الأسمدة وتحد من انبعاثات أكسيد النيتروز. وتمثل الطاقة المتجددة اختراقاً حقيقياً نظراً لقابليتها السريعة للتوسع وانخفاض تكلفتها، حيث تراجعت تكلفة الطاقة الشمسية بأكثر من 80 في المائة خلال العقد الماضي، ما فتح المجال لاستخدامها على نطاق واسع في المناطق الزراعية الريفية التي كانت سابقًا خارج نطاق الحلول التقليدية، ولهذا السبب أوضح الواعر أن «الفاو» تعمل مع شركائها على توسيع نطاق حلول الطاقة المتجددة اللامركزية في النظم الزراعية والغذائية. فالأمر لا يقتصر على الطاقة فحسب، بل يتعلق بتحويل الزراعة إلى محرك للعمل المناخي، وتحسين جودة الهواء، ودفع عجلة التنمية المستدامة.
 وتجدر الإشارة إلى أن الإمارات أطلقت مبادرات لتعزيز الزراعة الذكية مناخياً واستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الزراعي، وأشار الواعر إلى أن «الفاو» تعمل بالفعل على توسيع مبادراتها في هذا الاتجاه، عبر برنامج النظم الزراعية والغذائية الذكية طاقياً، الذي يعزز دمج حلول الطاقة المتجددة في النظم الزراعية والغذائية، بما يضمن الوصول إلى طاقة مستدامة تساعد الفاعلين في هذا القطاع على التكيف مع تغيّر المناخ، وتحسين الإنتاجية والدائرية، ودعم خلق فرص العمل، وتعزيز المساواة بين الجنسين، والتنمية المحلية والريفية، والحد من الجوع والفقر. وتتوافق هذه الجهود بشكل وثيق مع المبادرات الريادية التي أطلقتها دولة الإمارات في مجال الزراعة الذكية مناخياً واستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الزراعي. فقد أسهمت الدولة في ترسيخ نموذج عملي يجمع بين الرؤية الاستراتيجية، والاستثمار في التكنولوجيا، وتهيئة بيئة داعمة للابتكار الزراعي في البيئات الجافة وشبه الجافة.
وفي ختام حواره مع «الاتحاد»، استنتج الواعر أن المنطقة تمر حالياً بمرحلة انتقالية دقيقة بعد سنوات من التعامل مع آثار تغيّر المناخ واضطرابات سلاسل الإمداد، مؤكداً أن ما يميز هذه المرحلة هو الانتقال من الحلول المجزأة إلى مقاربات متكاملة تجمع بين الطاقة والمياه والغذاء والتكنولوجيا، ما يمثل تحولاً نوعياً في تصور وتخطيط مستقبل الزراعة.
وحسب الواعر فإن «الفاو ترى أن مستقبل الزراعة في المنطقة سيعتمد على الطاقة النظيفة، والإدارة الذكية للمياه، والتقنيات الرقمية المتقدمة، وتكامل السياسات والاستثمارات الفعالة. ومن جانبه، يمثل أسبوع أبوظبي للاستدامة منصة عالمية لتسريع هذا التحول، وإطلاق حلول قابلة للتوسع إقليمياً وعالمياً.ويظل التزامنا واضحاً: إنتاج أفضل، وتغذية أفضل، وبيئة أفضل، وحياة أفضل، دون ترك أحد خلف الركب.