محمد المنى (أبوظبي) وسط حالة من عدم اليقين وتصاعد التحديات الأمنية في منطقة المحيط الهادئ، انعقد أمس الثلاثاء اجتماعُ القمة بين الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي. وشدّد الزعيمان في كلمتيهما الافتتاحيتين على أهمية التعاون بين البلدين، وعلى أنه أصبح الآن ضرورياً أكثر من أي وقت مضي. وقال «لي» في بداية القمة: «إن التعاون بين كوريا واليابان أصبح الآن أكثر أهمية من أي شيء آخر، حيث يتعين علينا مواصلة التقدم نحو مستقبل جديد وأفضل وسط هذا النظام الدولي المعقد وغير المستقر».
أما تاكايشي فأكدت عزمَها على تحسين علاقات اليابان مع كوريا الجنوبية بشكل أكبر، موضحةً أنه «على البلدين التعاون والإسهام من أجل تحقيق الاستقرار في المنطقة». قبل أن تعلن قائلةً: «سأرفع هذا العام علاقات اليابان وكوريا الجنوبية إلى مستوى أعلى». وركّزت اجتماعات اليوم الأول من الزيارة التي يؤديها «لي» لليابان على قضايا التجارة والأمن، بالإضافة إلى جهود تعزيز الثقة بين البلدين. وأعلن الرئيس الكوري الجنوبي أنه اتفق مع رئيسة الوزراء اليابانية على بناء شراكات أكثر شمولاً فيما يتعلق بقضايا الأمن والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا. وكان الرئيس الكوري الجنوبي قد أدى زيارة للصين الأسبوع الماضي، وأكد في تصريحات أدلى بها من بكين على أهمية العلاقات الكورية الصينية، قائلاً في الوقت ذاته إن العلاقات الكورية اليابانية لا تقل عنها أهمية. ثم أعرب في مقابلة مع وسائل الإعلام اليابانية، الاثنين الماضي، عن رغبته في الحصول على دعم ياباني لملف انضمام بلاده إلى اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ (CPTPP)، وهي اتفاقية تجارة حرة كبرى تضم 12 دولة آسيوية وأميركية ومحيطية (أستراليا، بروناي، كندا، تشيلي، اليابان، ماليزيا، المكسيك، نيوزيلندا، بيرو، سنغافورة، فيتنام، والمملكة المتحدة)، تم توقيعها في عام 2015، وتهدف إلى إلغاء التعريفات الجمركية وتسهيل التجارة والاستثمار بين أعضاء التكتل الذي يمثّل حوالي 15% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ويضم كتلة سكانية تصل 500 مليون نسمة. لكن «لي» أوضح في الوقت ذاته أن أي تحرك ياباني في هذا الاتجاه يتطلب رفعَ كوريا الجنوبية الحظرَ المفروض على الواردات من فوكوشيما والمحافظات اليابانية الأخرى المتضررة من كارثة فوكوشيما النووية عام 2011، معترفاً بأن انضمام بلاده للاتفاقية قد يستغرق بعض الوقت بسبب المخاوف الصحية لدى الشعب الكوري الجنوبي. ومن الاهتمامات المشتركة بين الجانبين ملف التعاون الأمني، حيث تطرّقت القمة للتحدي الذي تمثّله كوريا الشمالية، وأكد الزعيمان على ضرورة التعاون وتنسيق الجهود، بُغية نزع السلاح النووي في الشطر الشمالي من شبه الجزيرة الكورية. كما تناولت محورَ السياسة الأمنية في إطار ثلاثي يشمل الولايات المتحدة، وقد علّق عليه «لي» بالقول إن «الأمر المهم حقاً هو مسألة الثقة العميقة المتبادلة». ومعلوم أن اليابان وكوريا الجنوبية حليفان رئيسيان للولايات المتحدة في منطقة المحيط الهادئ، وقد تعرضتا لضغوط منذ عودة ترامب إلى رئاسة البيت الأبيض مطلع العام الماضي، بغيةَ زيادة الإنفاق الدفاعي. ولديهما الآن هواجس متشابهة حول كيفية التعامل مع دبلوماسية الرئيس ترامب ومواقفه المتغيرة من وقت لآخر. ويفرض الوضع الجيوسياسي لكل من كوريا الجنوبية واليابان داخل بيئة المحيط الهادئ بكل توتراتها، وبجوار بحرَي الصين الشرقي والغربي والبحر الأصفر وعند مضيق كوريا (ملتقى بحر اليابان وبحر الصين الشرقي)، قيامَ تعاون وشراكة عميقة بينهما في الملفات الأمنية الرئيسية. وهو تعاون مطلوب في المجال الاقتصادي أيضاً، بموجب التبادلات التجارية المتنامية بين الجانبين، حيث توضح أحدثُ الأرقام الرسمية أن اليابان صدَّرت في أكتوبر الماضي إلى كوريا الجنوبية ما قيمته 577 مليار ين، بينما بلغت قيمة وارداتها منها 378 مليار ين، مع هيمنة للمعدات التكنولوجية والرقائق الإلكترونية والمواد الأخرى الضرورية لصناعة السيليكون وأشباه الموصلات على التجارة بين البلدين. ولعل حجم المصالح الاقتصادية والتجارية والأمنية المشتركة بين البلدين، يفسر الاحتفاءَ الواضح بزيارة الرئيس الكوري الجنوبي لليابان، حيث استضافته رئيسة الوزراء تاكايشي في مسقط رأسها مدينة «نارا»، العاصمة التقليدية للمقاطعة التي تحمل الاسم ذاته، والواقعة في جزيزة هونشو بغرب اليابان، والشهيرة بغزلانها ومعابدها القديمة. ومن المقرر أن تأخذه الأربعاء في جولة إلى معالم معمارية في المنطقة يعود بناءُ بعضها إلى أواخر القرن السابع الميلادي.