عبدالله أبو ضيف (واشنطن، القاهرة)
أوضح المحلل الأميركي في معهد واشنطن، ومساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينيكر، أنه في خضمّ التصعيد المتسارع الذي شهدته المنطقة، بدا واضحاً أن دول مجلس التعاون الخليجي كانت قد اختارت خلال السنوات الماضية مسار التهدئة مع طهران، سعياً إلى تجنيب الإقليم مواجهة مفتوحة.
وذكر شينيكر، في تصريحات خاصة لـ«الاتحاد»، أن بعض الدول الخليجية أعلنت قبيل اندلاع الحرب، أنها لن تسمح باستخدام أجوائها في أي عمليات عسكرية ضد إيران، غير أن هذه السياسة لم تحول من دون انتقال الاعتداءات إلى الخليج، إذ تشير القراءة الاستراتيجية إلى أن طهران وضعت منذ البداية ضمن حساباتها توسيع نطاق المواجهة، ليشمل جوارها الخليجي حال تعرضها لضربات أميركية أو إسرائيلية واسعة، في محاولة لإعادة صياغة معادلة الردع وخلط الأوراق الإقليمية.
وأشار إلى أن المقاربة الإيرانية تقوم على مقارنة جيوسياسية وأمنية بين الساحتين الإسرائيلية والخليجية، لافتاً إلى أن إسرائيل بعيدة جغرافياً، وتملك منظومات دفاع صاروخي متقدمة وبنية تحتية للحماية المدنية، كما أن مجتمعها بات أكثر اعتياداً على التهديدات الصاروخية بفعل سنوات من المواجهة مع إيران ووكلائها.
وقال شينيكر: «في المقابل، تبدو دول الخليج أقرب جغرافياً وأكثر عرضة للاعتداءات بالطائرات المسيّرة، مع تفاوت في كثافة أنظمة الدفاع الجوي، وغياب بنية ملاجئ مماثلة»، مؤكداً أنه من هذا المنطلق، راهنت طهران على أن استهداف العمق الخليجي سيدفع شركاء واشنطن إلى ممارسة ضغوط سياسية لإنهاء الحملة العسكرية.
ولفت شينيكر إلى أنه رغم ما خلّفته الاعتداءات الإيرانية من أضرار، فإن أنظمة الدفاع الجوي في دول مجلس التعاون أسهمت، إلى حد كبير، في الحد من الخسائر، فيما أظهرت المجتمعات الخليجية قدراً ملحوظاً من التماسك والصمود، مضيفاً أن هذا التصعيد عزز قناعة متنامية في بعض الأوساط الخليجية بأن الرهان على إمكانية التعايش مع سلوك إيراني تصادمي لم يعد واقعياً.
وقال المحلل الأميركي: «إن الموقف الخليجي يعمل على مسارين: الدعوة العلنية إلى خفض التصعيد والتمسك بالحلول السياسية، والتحرك العملي والمشروع لتعزيز الدفاعات والتصدي للاعتداءات الصاروخية والمسيّرات»، مضيفاً أن هذا «النهج يعكس إدراكاً بأن المواجهة قد تطول، وأن الأولوية تكمن في حماية الجبهة الداخلية والبنية التحتية الحيوية، لا سيما في قطاع الطاقة».
وأضاف أنه في حال واصلت الولايات المتحدة وإسرائيل تقليص قدرات إيران الصاروخية ومنصات الإطلاق، فقد تتمكن دول المجلس الخليجي من الاستمرار في هذا التموضع الدفاعي من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة، لافتاً إلى أن أي تصعيد إيراني يستهدف منشآت الطاقة أو يؤدي إلى سقوط أعداد من المدنيين قد يفرض معادلة مختلفة، ويدفع بعض الدول إلى إعادة حساباتها العسكرية.
وبشأن المرحلة المقبلة، يرى شينيكر أن الصورة لا تزال ضبابية في ظل حداثة اندلاع المواجهة، فالمؤشرات الأولية تفيد بأن أولوية واشنطن تنحصر في تحييد خطر الصواريخ والطائرات المسيّرة، مع تسجيل تراجع ملحوظ في وتيرة الإطلاق خلال الأيام الأولى، وإذا تواصل هذا التراجع، فقد يتحول التركيز إلى إضعاف مفاصل القوة الصلبة داخل النظام الإيراني، لا سيما الأجهزة الأمنية والعسكرية التي تشكل عموده الفقري.
وتابع: «إن تحقيق هذا الهدف عبر الضربات الجوية وحدها يظل موضع تساؤل، كما أن مسألة تغيير النظام أو تعديل بنيته القيادية تبقى رهينة تطورات داخلية معقدة لا يمكن حسمها عسكرياً فقط».
وأفاد بأن طهران تراهن على عامل الزمن، فإطالة أمد الحرب قد تخلق، من وجهة نظرها، تباينات بين واشنطن وشركائها، أو تفتح الباب أمام ضغوط سياسية واقتصادية داخل الولايات المتحدة تدفع نحو إنهاء العمليات قبل تحقيق أهدافها القصوى.
مفترق طرق
وأشار شينيكر إلى أنه في أقصى سيناريوهات التصعيد، قد يلجأ النظام الإيراني إلى خطوات أكثر خطورة إذا شعر بتهديد وجودي، بما في ذلك استهداف واسع للبنية التحتية، رغم ما قد يحمله ذلك من تكلفة مرتفعة عليه هو نفسه.
وأوضح شينيكر أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق دقيق، حيث تتداخل حسابات الردع مع رهانات الصمود، وتبقى الأيام المقبلة كفيلة بتحديد ما إذا كان مسار التصعيد سيستمر، أم أن قنوات التهدئة ستنجح في احتواء المواجهة قبل اتساع نطاقها.