محمد المنى (أبوظبي)

تقترب الحرب الروسية الأوكرانية من منعطف دبلوماسي تاريخي حاسم يعيد رسم التوازنات الجيوسياسية في القارة الأوروبية، ويتضح ذلك بشكل جلي من التزامن اللافت بين التصريح المفاجئ الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن واشنطن وموسكو باتتا على مقربة من تسوية تنهي الحربَ، وبين المرونة غير المسبوقة التي أبداها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر شاشة «فوكس نيوز»، حيث ظهر معلِناً استعدادَ بلاده للقبول بتجميد خطوط المواجهة الحالية كسبيل واقعي لإنهاء المعارك شريطة نيل ضمانات أمنية غربية صارمة وحفظ نحو خمسة وسبعين بالمئة من أراضي أوكرانيا. 
هذا التحول الجذري نحو الواقعية السياسية ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج مسار تفاوضي معقد وقنوات خلفية نشطة قادها المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف الذي قدّم مقترحات جديدة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سان بطرسبرغ بعد جولة مشاورات مكثفة مع القادة الأوروبيين في أوسلو، مما دفع موسكو لإبداء انفتاح تكتيكي على إمكانية استئناف المحادثات الثلاثية المشتركة الشهر المقبل.
ولفهم هذا الانتقال النوعي من التصلب العسكري إلى البراغماتية التفاوضية، تتعين العودةُ إلى محطات الحوار السابقة ولحظات التأزم الحادة التي مرت بها العلاقات بين واشنطن وكييف منذ مطلع العام الماضي، حينما واجهت الإدارةُ الأميركية الجديدة برئاسة ترامب «تعنتاً أوكرانياً» في قبول شروط التسوية الفورية، وردت واشنطن بتعليق المساعدات العسكرية ووقف تبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل مؤقت، مما وضع الجبهة الأوكرانية أمام خطر الانهيار الفعلي نتيجة النقص الحاد في الذخائر والمنظومات الدفاعية. 
لكن «الاختناق الجيوسياسي» بين الطرفين هو ما دفعهما إلى الجلوس على طاولة المفاوضات لتجاوز القطيعة، وتُوِّج ذلك بعقد قمة ألاسكا وتوقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية وتأسيس صندوق إعادة الإعمار والاستثمار المشترك في الثلاثين من أبريل 2025، وهي الاتفاقية التي أوجدت مخرجاً براغماتياً يقوم على معادلة المصالح الحيوية المتبادلة.
لقد تغلبت واشنطن وكييف على أزماتهما عبر مقايضة وجودية تمثلت في حاجة أوكرانيا الملحة لتدفق السلاح الأميركي الحديث لضمان صمودها الميداني، مقابل حاجة الولايات المتحدة الاستراتيجية للاستحواذ على المخزونات الأوكرانية الضخمة من المعادن الثمينة والنادرة والمواد الخام الحرجة التي تشكل نحو خمسة بالمئة من الاحتياطي العالمي، مثل الليثيوم والجرافيت والتايتانيوم الحاسم للصناعات العسكرية والتكنولوجية الأميركية، حيث منحت الاتفاقيةُ الشركاتِ الأميركية حقَّ الأفضلية وشراء الإنتاج لكسر الاحتكار الصيني لهذه المواد الحيوية، واحتساب قيمة السلاح كمساهمات رأسمالية في هذا الصندوق الاستثماري. 
وبناءً على هذه الخلفية الاقتصادية والأمنية، يمكن استشراف أن فرص السلام الحالية باتت تتجه نحو سيناريو تجميد الصراع، ربما على الطريقة الكورية، أي عبر رسم حدود جديدة بحكم الأمر الواقع، حيث يدرك زيلينسكي أن الحفاظ على الأراضي الحالية يضمن له الاحتفاظ بحقول المعادن الشاسعة في وسط وغرب البلاد، بينما يرى ترامب في هذا التجميد انتصاراً سياسياً يحول الدعمَ الأميركي إلى استثمار استراتيجي بعيد المدى، بشرط نجاح المفاوضات الثلاثية المقبلة في تذليل عقبة التصلب التقليدي لدى الجانبين، الرافض للتجميد، وتقديم حوافز لموسكو بغية ضمان عدم استغلال كييف للهدنة في إعادة التسلح.
وفيما يتعلق بالتفاصيل المحركة لهذا المسار التفاوضي، تبرز الأوراق الجيوسياسية والحوافز الاقتصادية التي يلوّح بها ترامب مقابل قبول التجميد، وفي مقدمتها حزمة «الدبلوماسية الدولارية» المستندة إلى اتفاق النفط والديزل الروسي الذي تم التوصل إليه في التاسع من أكتوبر الحالي لخفض أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب مقترح استئناف عبور الغاز الطبيعي الروسي عبر الأراضي الأوكرانية لفتح شرايين الاقتصاد، علاوةً على العرض الضخم المتمثل في تمرير صفقة بقيمة عشرين مليار دولار لبيع الأصول الدولية المجمدة لشركة «لوك أويل» الروسية عبر كنسورتيوم استثماري دولي تشارك فيه واشنطن مقابل رفع جزئي ومستهدف للعقوبات، وهي حوافز يرى الغرب أنها كفيلة بإقناع موسكو، لكنها تثير ريبة كييف من إضعاف سلاح العقوبات. 
وفي المقابل، يدرك زيلينسكي أن القبول بهذا التجميد ينقلب إلى انتحار سياسي ما لم يُحصن بضمانات أمنية بديلة ومستدامة، ولذا فهو يسعى جاهداً في مشاوراته مع الأوروبيين لنيل شبكة أمان دفاعية تشمل إقرار منظومة أمنية أوروبية جديدة تشارك فيها عدد من دول حلف «الناتو»، والحصول على تعهدات عسكرية ملزمة بالتدخل الفوري أو تسليح نوعي ووقائي دائم لحماية ما تبقى من سيادة أوكرانيا وضمان عدم استغلال روسيا لخطوط التماس الجديدة كمنطلق لهجوم مستقبلي، وهي الضمانات التي يحاول المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف دمجَها في إطار الأمن الإقليمي الشامل لمنع انهيار الاتفاق.