إثر الإغلاق العالمي بغرض احتواء «كوفيد-19» وتداعياته، أنذر صندوق النقد الدولي بحدوث «أسوأ تراجع اقتصادي منذ الكساد العظيم، وأسوأ بكثير من الأزمة المالية العالمية»، في ظل توقعات بتراجع النمو للعام الحالي بنسبة 3%، حتى أن التعافي في العام المقبل، سيكون جزئياً، حيث يتوقع أن يسجل النمو 5.8%. لكن مستوى النشاط الاقتصادي سيكون أقل مما كان متوقعاً قبل أن تتفشى جائحة «كورونا». 
وتأتي هذه التداعيات، في وقت تواجه فيه دول عدة سلسلة أزمات على مختلف الأصعدة، من بينها الصحة والمال وأسعار المواد، وهي مشكلات تتقاطع مع بعضها البعض بشكل معقد. ورغم أن صنّاع القرار يقدمون دعماً غير مسبوق للأسر والشركات والأسواق المالية، وهي إجراءات مهمة للتعافي، إلا أن الغموض يلف المشهد الاقتصادي عند الخروج من الأزمة. ويمثل دعم بلدان الأسواق الصاعدة والبلدان النامية، أولوية ملحة، لأنها معرضة للمخاطر أكثر من بلدان الاقتصادات المتقدمة، ويقع عليها ضرر بالغ جراء نقص الإمدادات الطبية وهروب رؤوس الأموال. 
وفي هذا المجال، بدأ صندوق النقد الدولي الاستجابة لعدد غير مسبوق من طلبات تمويل الطوارئ، وضاعف حدود الاستفادة من تسهيلاته التي تتيح «التسهيل الائتماني السريع»، كأداة للتمويل السريع، مما يسمح له بتلبية الطلب المتوقع على التمويل بنحو 100 مليار دولار، لكن لم يتم حتى الآن الالتزام بتوفير الموارد، إلا في حدود خمس طاقة الصندوق الإقراضية. هذا مع العلم بأن الاقتصادات الناشئة اقترضت أكثر من 83 مليار دولار من سوق السندات الدولية في الربع الثاني من العام الحالي، لتمويل خطط التحفيز في 30 دولة، وهذه المبالغ غير كافية، مع استمرار حالة تباطؤ عودة الأنشطة الاقتصادية. 
وفي الوقت الذي تتراكم فيه الديون على مختلف الدول، حيث بلغ الدين العالمي أكثر من 270 تريليون دولار، بما يعادل نحو ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي. ومع ازدياد حالات التخلف عن السداد، وارتفاع حجم تعثر المؤسسات غير المالية إلى 70 مليار دولار (تمثل الشركات الأميركية ثلثي إجمالي حالات التعثر)، يستعد وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية حول العالم، في إطار الاجتماعات السنوية المرتقبة لصندوق النقد والبنك الدوليين، لمعالجة أزمة غير مسبوقة تكمن في الضبط المالي «الضروري» أو الخفوضات «التقشفية»، خصوصاً أن الصندوق بدأ في حصر البلدان المدرجة في برامج قروض جديدة طويلة الأجل مشروطة بـ«التقشف». هذا مع اضطرار حكومات بعض الدول إلى اتباع سياسات «تقشفية»، في محاولة لإعادة بناء موازناتها العامة من خلال فرض الضرائب ومعدلات الفائدة المنخفضة أو السلبية على المدى البعيد. 
لكن هناك تحذيرا من بعض الخبراء الدوليين، من أن يؤدي «التقشف» إلى مخاطر اقتصادية واجتماعية، نتيجة زيادة حالات الفقر وعدم المساواة، في ظل معانات الناس بشكل حاد من تخفيض الإنفاق الحكومي. ويصف مارك بليث الأكاديمي المتخصص في الاقتصاد «التقشف» في أحدث كتاب له، بأنه فكرة اقتصادية شديدة الخطورة، وليست ناجحة. وهو يستشهد بأمثلة قريبة العهد وأخرى تعود إلى السنين المئة المنصرمة، وفي رأيه، إن نجح «التقشف» حين تطبقه دولة ما، فلن ينجح بالتأكيد حين تطبقه دول العالم كلها أو معظمها. ويشير إلى أن «التقشف» العالمي الذي تلا الركود الكبير في عشرينيات القرن العشرين، أدى إلى صعود النازية في ألمانيا وعسكرة السياسة في اليابان، وهما تطوران يتحملان المسؤولية الأبرز في اندلاع الحرب العالمية الثانية. وبدلا من أن يعزز «التقشف» معدلات النمو والفرص، أفضى تكرار تطبيقه إلى زيادات في تركز الثروات وتفاقم حالات التوزيع غير العادل للدخل.

*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية