كُتب وقيل- بطريقة غير مقنعة- حول تأثير «دولة الرفاه» الاتحادية الجديدة على سلوكيات المواطنين المستجدة التي جعلت - حسب وجهة نظر هؤلاء-من شعب دولة الإمارات يرمي بأحماله على الدولة ولا يجهد نفسه في العمل أو التفكير بحيث أصبح يفتقد إلى المبادرة. هذه الأطروحات سطحية وساذجة، ولا يمكن القبول بها جملة وتفصيلاً، ولا يطلقها إلا الحاقدون والحاسدون لأهداف ومآرب لا يعلمها سواهم. فدولة الرفاه هذه التي يتم انتقادها ليست سوى موزع جديد للمنافع ولعدالة توزيع الثروة الجديدة بين المواطنين، التي هي مكافأة للإنسان الذي عاش على هذه الأرض لردح طويل من الزمن، وهو يعاني قسوة الحياة وشطف العيش. وهي في واقع الحال لم تغير من أخلاق المواطنين الأصيلة ولم تجعل منهم إتكاليين كما يقال، بل فتحت أمامهم أبواباً جديدة ووسائل جديدة للسعي في طلب الرزق وتوليد الثروة معتمدين على ما لديهم ولدى بلادهم من إمكانيات جديدة وسعة أفق وقدرة على الفعل كقادة متمكنين.
بعد قيام الدولة الاتحادية وجد شعب الإمارات نفسه في أوضاع جديدة مختلفة عن ما سبقها، حيث أصبح اقتصاد البلاد موحداً، وقامت الدولة الاتحادية بفتح الفرص أمام المواطنين بدءاً بالتوظيف في شتى مؤسسات الدولة مروراً بتسهيل ممارسة الأعمال الخاصة، وانتهاءً ببناء البنية التحتية المتكاملة التي تساعدهم على ممارسة أعمالهم بنجاح، وهذا البناء الجديد لم يأت من فراغ ولكن استكمالاً لما هو موجود على الصعيد المحلي لكل إمارة.
الشأن الاتحادي بكل مكوناته استرعى الانتباه كثيراً كونه صانع الطفرة التنموية الضخمة ومؤسس مسيرة الإنجازات، وهذا يسير جنباً إلى جنب مع حقيقة أن ما هو محلي يتكامل مع الإطار الاتحادي، بما يعزز مسارات التطور محلياً من أجل المحافظة على هذه الأرض وشعبها.
ما ولّد الروح الجديدة هو أن الدولة الاتحادية جعلت من عقد سبعينيات القرن العشرين، والعقود التي تلته مثيرة للتفاؤل والسعادة الشعبية بسبب ما قامت به الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية من ممارسات جنباً إلى جنب ويداً بيد.
حقيقة أن الحكومة الاتحادية لعبت أدواراً لم تكن لتلعب من قبل في حياة شعب الإمارات، خاصة على الصعد الأمنية والدفاع عن النفس والسياسة الخارجية والتعليم والصحة والإسكان، لكن ما أبقى الزخم الشعبي والثقة التي تولدت مع قيام الدولة الاتحادية هو الإيمان الراسخ القديم لدى أبناء الإمارات السبع بأنهم شعب واحد ومصيرهم واحد، وبأن الإنسان هو الذي يسيطر على مصيره وحاضره ومستقبله - وذلك بالنظر إلى الأوضاع التي جعلت الفعل الاتحادي ومساعدة الذات أمور ممكنة.
في تاريخ الإمارات السبع الطويل لم يحدث من قبل أن يكون لحكومة دور في تعليم الأولويات والتفضيلات والضروريات لإعادة توجيه الطاقات الخاصة بالمواطنين، لكن الحكومة الاتحادية منذ قيامها مارست دوراً تعليمياً رائعاً على هذا الصعيد.
وبغض النظر عن المسمى الذي يطلقه المرء على العملية من حيث كونها تعليم أو إعلام أو توجيه، إلا أن المواطن الإماراتي أصبح قادراً على الاطلاع على سيل من المعلومات حول نشاطات الدولة والحكومة على المستويين الاتحادي والمحلي لم يكن قادراً على العلم بها في الماضي وحقيقة أن شعب الإمارات يبدي استجابة طبيعية وحقيقية لكل ما تتقدم به أو تعرضه الدولة بكافة مستوياتها عليه، ويبدي عن طيب خاطر تفهماً للصعوبات التي يواجهها الوطن، وقبولاً وتقبلاً والتزاماً بكل ما هو جديد ومبتكر وخلاق على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومثل هذه الأمور نادراً ما كانت توجد بهذا القدر من المشاركة الشعبية القائمة على الفهم والذكاء الخلاق في أمور السياسة والاقتصاد والشؤون العامة.
وهذا يعني أنه يوجد لدى المواطنين حس أصيل يؤهلهم لكي يصبحوا مكوناً أساسياً في المشروع الوطني الذي تقوده الدولة الاتحادية، وهو شعور حي من قبل المواطنين بأهمية دورهم وفعاليتهم وبقدرتهم على التأثير في مسارات الأحداث الدائرة في وطنهم.
* كاتب إماراتي