تعد البحرية الأميركية فخر الجيش الأميركي عندما يتعلق الأمر بالتلقيح، حيث تلقى 76% من أفراد الخدمة الفعلية التطعيم بالكامل، وهو أعلى معدل بين الفروع الأربع الرئيسية للجيش الأميركي (القوات البحرية-مشاة البحرية- والقوات البرية أو الجيش الأميركي- القوات الجوية).
وبمعدل 56%، فإن سكان الولايات المتحدة لديهم سبلاً للحاق بالركب. اتبعت البحرية نهجاً مختلفاً، حيث تجنبت تقديم بطاقات الهدايا المجانية أو المكافآت النقدية التي يقدمها بعض أرباب العمل من القطاع الخاص كحوافز. وبدلاً من ذلك، جعلت الحياة أكثر صعوبة بالنسبة للبحارة الذين لم يتلقوا اللقاح. فقد كانت تفرض فترات طويلة من الحجر الصحي بعيداً عن الأسرة وتقيّد المكالمات في الموانئ بالنسبة للبحارة غير المحصنين، حتى قبل إصدار وزارة الدفاع أمر بتلقي اللقاح في 15 سبتمبر.
يقول القائد «ويد سميث»: «ينضم الكثير من البحارة إلى البحرية الأميركية لأنهم يريدون رؤية العالم. وقد أخبرت أفراد الطاقم أنهم إذا تلقوا التطعيم بنسبة 100% فسيكون هذا الخيار متاحاً أمامهم». يمكن أن تكون تجربة البحرية بمثابة خريطة طريق مفيدة لأصحاب العمل في الولايات المتحدة، الذين يواجهون عملية توازن دقيقة أثناء سعيهم لضمان عودة آمنة إلى مقار العمل مع عدم إبعاد بعض العمال عن طريق إجبارهم على تلقي اللقاح. ومؤخراً، فرض بعض أصحاب العمل أوامر بتلقي اللقاح مع انتشار نسخة دلتا المتحورة، لكن شركات أخرى مثل أمازون لا يمكنها سن مثل هذه القواعد في سوق العمل الحالي دون التعرض لخطر فقدان موظفين.
لا تتمتع الشركات بنفس مستوى السيطرة على الموظفين مثل تلك التي يمارسها الضباط على البحارة على متن السفن، ولكن يمكنها خلق مضايقات في الحياة اليومية للعمال والحد من الأنشطة التي يمكن أن تمنح الموظفين ترقية –مثل حضور التدريبات الشخصية والاجتماعات. لقد أثبت تفشي فيروس كوفيد-19 في الشركات الكبرى مثل أمازون –التي شهدت إصابة 20 ألف من عمالها الأميركيين بالفيروس على مدة ستة أشهر العام الماضي –وقوع كوارث في العلاقات العامة.
ولم تكن البحرية محصنة أيضاً، حيث أصيب نحو 1300 بحار على متن حاملة الطائرات (يو إس إس تيودور روزفلت) في مارس 2020، مما أجبر الطاقم على إخلائها وتهميش السفينة لأكثر من شهر. وطالب الضباط بتجنب تكرار هذا السيناريو، منذ أن بدأت وزارة الدفاع الأميركية إطلاق اللقاح في منتصف ديسمبر الماضي. إذا مرض البحارة أثناء وجودهم في البحر، فقد تتعطل العمليات لأسابيع، وهي مشكل بشكل خاص للبحرية. في مارس، أصبح طاقم القائد سميث على السفينة «يو إس إس سيوكس سيتي» في مايبورت، بولاية فلورديا، أول طاقم في البحرية يتم تطعيمه بنسبة 100%.
وهناك عشر سفن لديها معدلات 95% أو أكثر. وعن إقناع الطاقم بتلقي التطعيم، قال سميث: «حاولنا إخبارهم طوال الوقت بمهمة السفينة: نحن على وشك الانتشار، ولديّ 70 بحاراً فقط، وأنا بحاجة إلى كل واحد منكم». يتطلب أمر اللقاح المفروض حديثاً أن يتم تطعيم جميع الأفراد العسكريين بحلول منتصف سبتمبر، وأولئك الذين لا يمتثلون قد يواجهون عقوبات شديدة مثل الإبعاد من الخدمة.
ولكن قبل أن يصبح التطعيم إلزامياً، أقنع التراجع عن القيود المفروضة على البحارة الملقحين في فبراير الكثيرين بتلقي اللقاح. وفي ذات الوقت، واجه أعضاء الخدمة غير الملقحين قيوداً أثرت على حياتهم الشخصية والمهنية، كأن يخضعوا للحجر الصحي لمدة أسبوعين على الأقل بعيداً عن أسرهم. وعند الرسو في ميناء أجنبي، والذي يمكن أن يحدث عدة مرات في كل جولة، قد يضطر البحارة غير المحصنين أيضاً إلى البقاء على متن السفينة بينما يستمتع نظرائهم الملقحين بوقتهم في مدينة جديدة. في عالم الشركات، أصابت بعض الشركات نجاحاً في تشجيع التطعيم عن طريق جعل الحياة غير مريحة لغير الملقحين.
فقد يكون الإجبار على ارتداء القناع وإجراء اختبار للكشف عن الإصابة بالفيروس بشكل روتيني مصدر إزعاج للعاملين غير المحصنين، في حين أن عدم القدرة على العودة إلى المكتب أو حضور الفعاليات بشكل شخصي يمكن أن يؤثر على الحياة المهنية لهؤلاء الموظفين.
تطلب شركات وول ستريت، مثل شركة مورجان ستانلي، وشركة سيتي جروب الآن أن يتم تطعيم عمالها للعودة إلى المكتب، علاوة على أنها ما زالت تخلق حافزاً قوياً لتلقي اللقاح. ويطلب بعض أرباب العمل الآخرون، مثل شركة «آب في» من موظفيهم غير الملقحين فقط ارتداء القناع والخضوع لاختبارات بشكل أسبوعي للكشف عن الإصابة بالفيروس.
سمحت البحرية للبحارة الذين تم تطعيمهم بالذهاب دون ارتداء قناع في معظم حملة التطعيم الخاصة بها، على الرغم من أن هذا المطلب أعيد التأكيد عليه في العديد من القواعد لجميع البحارة في نهاية يوليو استجابة لمتغير دلتا. قالت جاسلين هينيارد، بحارة صغيرة مجندة على متن السفينة (يو إس إس ويدبي ايلاند)، إن العديد من الأشخاص على متن سفينتها أرادوا الحصول على اللقاح من أجل «العودة إلى الحياة الطبيعية». وقال النقيب جون جاي، مسؤول الشؤون العامة في مكتب البحرية للطب والجراحة، إنه إذا استفاد باقي أنحاء البلاد من تجربة البحرية، فقد نتمكن من القضاء على الوباء قريباً. وأضاف: «علينا أن نظل منضبطين. لقد قامت البحرية بعمل جيد حقاً من خلال إنشاء فقاعات من الناس خالية من كوفيد. وإذا تمكنا من عمل نفس الشيء في مجتمعنا، أعتقد أن النهاية ستكون قريبة».
*صحفية أميركية متخصصة في تغطية الشؤون الصحية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»