طه حسيب - دبي

وضعت منظمة «ذي سي كلينرز» غير الحكومية هدفاً واضحاً لنشاطها يتمثل في الكفاح من أجل محيطات خالية من التلوث، ضمن مهمة تتعلق بالدفاع عن نظام بيئي ضروري لبقائنا، لكن تدمره تصرفات البشر..مهمة تسعى من خلالها المنظمة إلى وضع حد لتلوث المحيطات وحماية بحارنا من التلوث بالبلاستيك وتقديم حلول ملموسة على الأرض والبحر، ما يستوجب اتخاذ إجراءات عاجلة.

وتتحرك «ذي سي كلينرز» ومقرها مدينة لوزان الفرنسية، لمواجهة تحديات واضحة تتعرض لها البيئة البحرية في العالم، حيث يتم إلقاء 9 ملايين طن متري من مخلفات البلاستيك في البحار كل عام، أي أنه يتم إلقاء 17 طناً مترياً من المخلفات كل دقيقة، وهذا يلحق الضرر بـ 1400 من الأحياء البحرية، ويتسبب سنوياً في هلاك 1.5 مليون من الأحياء البحرية، وتحذر المنظمة من أنه وإذا لم نقم باتخاذ إجراءات الآن، سيكون حجم مخلفات البلاستيك التي تملأ البحار والمحيطات مساوياً لحجم الأسماك التي تعيش في هذه البحار. ولدى المنظمة مجلس استشاري علمي يتكون من 12 خبيراً معترفاً بهم من جميع أنحاء العالم، لضمان نهج علمي صارم يحدد اتجاه عمل المؤسسة. وتتلقى المنظمة دعماً من 50 شركة فرنسية وعالمية، ومن «الشراكة العالمية حول المخلفات البحرية» و«تحالف الملوثات من البلاستيك» و«عقد الأمم المتحدة لعلوم المحيطات من أجل التنمية المستدامة»، و«مجموعة الأصدقاء لمكافحة التلوث البحري بالمواد البلاستيكية»، «خطة إنقاذ البيان الأزرق (بلو مانيفيستو) لتطهير المحيطات».

  • مؤسس منظمة «ذي سي كلينرز» أثناء حواره مع «الاتحاد»- تصوير: إحسان ناجي.

«الاتحاد» التقت إيفان بورجنون مؤسس «ذي سي كلينرز»، أثناء زيارته إلى الإمارات، وطرحت عليه مجموعة من التساؤلات، وفي السطور التالية نَصُ الحوار:

*أولاً، نود الحصول على تفاصيل حول سجلك الحافل في حماية البيئة، وكيف بدأت العمل في هذا المجال؟

- أجاب الملاح والمستكشف الفرنسي السويسري، إيفان بورجنون بأنه قام بإنشاء منظمة «ذي سي كلينرز» (أو حماية المسطحات المائية) في عام 2016 كمنظمة غير حكومية، تكافح التلوث البلاستيكي، في البحر وعلى الأرض، من خلال مهام تصحيحية وخطوات وقائية. وقال «بورجنون» إنه رافق والديه عندما كان عمره 8 سنوات في جولات الإبحار حول العالم، استمرت 4 سنوات، ورأى المحيطات تتدهور أمام عينيه بسبب التلوث البلاستيكي. أثناء المشاركة في المسابقات عبر المحيط الأطلسي، واجه إيفان بورجنون الاصطدام بحاويات أو أجسام عائمة مجهولة الهوية. في عام 2015، أُجبر على التخلي عن سباق «ترانسات جاكس فابر» (Transat Jacques Vabre) لليخوت لأن زورقه الشراعي اصطدم بجسم غريب في خليج جاسكونية - مما جعله يدرك زيادة التلوث البلاستيكي. في السنوات التي قضاها في الملاحة حول العالم، صُدم من زيادة التلوث العائم في المحيطات.

وأضاف «بورجنون» أنه في جولاته العالمية المنفردة التي يبحر فيها على متن زورق رياضي، أصيب بصدمة عندما اكتشف أن الأماكن الرائعة والبرية والطبيعية أصبحت أماكن تملؤها القمامة والحطام البلاستيكي والخردة. والبلاستيك هو المسؤول إلى حد كبير عن هذا الوضع، وهو اختراع بشري يعود تاريخه إلى خمسينيات القرن الماضي. وقال «بورجنون»: عندما عدت إلى فرنسا، قررت اتخاذ إجراء ووضع تصور لمشروع «سي كلينرز» ومشروع «مانتا» لإزالة البلاستيك لتنظيف المحيطات.

  • النفايات البلاستيكية خطر يهدد الكائنات البحرية. (الصورة من المصدر).

 

وأكد «بورجنون» أن لمشروع منظمة «ذي سي كلينرز» عدة مهام. في البحر: حصر المناطق ذات التلوث البلاستيكي الكثيف قبل أن تغرق أو تتحلل إلى لدائن دقيقة. وقال: نساهم في البحث العلمي – وستكون النتائج والبيانات التي يتم جمعها متاحة في منصة «البيانات المفتوحة». على الأرض: نعمل على زيادة الوعي وتثقيف الجمهور في محاولة للحد من المشكلة. نشرك فرقاً من المتطوعين للقيام بعمليات إزالة التلوث.

*كيف تنظرون إلى تجربة الإمارات في مجال حماية البيئة، وإزالة النفايات البلاستيكية من الشواطئ، وحماية الحياة البحرية من أي نوع من أنواع التلوث؟

أشار «بورجنون» إلى أنه خلال الفترة من 31 يناير وحتى 5 فبراير 2022، زار وفد من المنظمة غير الحكومية الدولية «سي كلينرز» دولة الإمارات العربية المتحدة لأول مرة، والزيارة كانت تهدف إلى إجراء مناقشات مع السلطات المحلية وصناع القرار في مجال الأعمال في دبي وأبوظبي واتخاذ خطوة أخرى في مكافحة التلوث البلاستيكي للمحيطات.

وأضاف: أُعجبنا بالسياسة الحاسمة التي تتبعها وكالة البيئة في أبوظبي فيما يتعلق بمكافحة التلوث البلاستيكي، وخاصة المواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد. ورأينا أن هذه السياسة هي الأولى من نوعها في المنطقة وتُظهر طموح الإمارات في معالجة القضية بحزم.

وقال «بورجنون»: طورت دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر السياسات البيئية طموحاً في الشرق الأوسط، بناءً على مساهمتها في أهداف التنمية المستدامة. وهناك قواسم مشتركة فيما يتعلق بأهداف التنمية المستدامة، بما في ذلك الهدف 14 – ويتعلق بالحياة تحت الماء، والهدف 13 – ويتعلق بالعمل المناخي. وقال: تعتبر الاستدامة البيئية أولوية وطنية وإحدى الركائز الست للخطة الاستراتيجية الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة. لذلك يهدف وفد منظمة «ذي سي كلينرز» إلى إجراء مناقشات مع صانعي القرار المحليين للمضي قدماً في الكفاح الجماعي ضد آفة التلوث، بما يتماشى مع هذه الرؤية.

وأكد مؤسس منظمة «ذي سي كلينرز» أن المبادرات والخطط الرائعة المعمول بها في دولة الإمارات العربية المتحدة تتماشى تماماً مع ما نحتاج إليه جميعاً لرعاية محيطاتنا بما في ذلك: مبادرة إعادة تأهيل الموائل الساحلية والبحرية، ومبادرة المناطق المحمية البحرية وخطط الحفاظ على التنوع البيولوجي، وبرنامج الصيد المستدام، وبرنامج الكربون الأزرق. وأضاف «بورجنون»: بصفتنا لاعباً رئيسياً في زيادة الوعي والتثقيف بشأن قضية التلوث البلاستيكي، فنحن شريك في وزارة التعليم الفرنسية، وأشار إلى أنه في دبي ستعمل منظمة «ذي سي كلينرز» أيضاً على زيادة الوعي في «المدرسة الفرنسية الدولية جورج بومبيدو» وفي «الليسيه فرانسيه جان ميرموز».

*تعد زيادة الوعي العالمي بالحفاظ على البيئة ومكافحة تغير المناخ فرصة عظيمة لابتكار تقنيات قادرة على إحداث التغيير في هذا المجال وبأدوات ميسورة التكلفة لجميع البلدان. هل توافق على ذلك؟

-أوافق تماماً، وهذا هو السبب في أن مهمة «ذي سي كلينرز» هي أيضاً أن تقدم حلولاً تكنولوجية مبتكرة لإدارة النفايات وتقنيات الشحن النظيف لـ «السفن الذكية» و«السفن الخضراء».

*هل سبق لك أن تعاونت مع دول أخرى في المنطقة؟ ما هي نتائج تجربتك؟ أجاب «بورجنون» بأن منظمة «ذي سي كلينرز» لم تتعاون حتى الآن مع دول أخرى في المنطقة، ونحن سعداء بهذه الرحلة الأولى إلى الإمارات كنقطة بداية لنا في الشرق الأوسط لعرض أعمالنا وإيجاد شركاء جدد.

  • القارب (موبولا8) لتعاون مرتقب من أجل تنظيف أنهار في إندونيسيا . (الصورة من المصدر)

 

وأشار مؤسس «ذي سي كلينرز» إلى أن أول قارب تنظيف خاص بنا، يُسمى «موبولا 8» سيصل خلال الأسابيع المقبلة على متن حاويتين إلى إندونيسيا. ومن المتوقع أن يصل إلى مدينة بالي الإندونيسية لتنظيف غابات المانجروف والأنهار، بالشراكة مع السلطات المحلية ووزارة البيئة والغابات والشؤون البحرية الإندونيسية، وستكون هذه الجهود ضمن البرنامج الوطني لمكافحة التلوث الذي يهدف إلى القضاء على البلاستيك بحلول عام 2025، وأيضاً ضمن برنامج مجموعة العشرين G20 الذي سيعقد في نهاية أكتوبر.

وأكد «بورجنون» أن جمع المخلفات من البحر يعطي نتائج ملموسة وسريعة ومرئية، والتي بدورها تساعد على زيادة الوعي على جميع مستويات المجتمع بأهمية استعادة النظم البيئية البحرية والمخزون السمكي والمساعدة في الحفاظ على الاقتصادات المحلية واستعادة جاذبية المناطق السياحية البحرية، وهذا كله يعد انتصاراً ضد التلوث البلاستيكي، وهو أمر ضروري لتعبئة الرأي العام وصناع القرار على الإطلاق على نطاق أوسع لحماية المحيطات.

وعلى المستوى الأوروبي، نشارك بشكل أساسي في الوقت الحالي في عمليات تنظيف الشواطئ في جميع أنحاء فرنسا كل أسبوع وفي إسبانيا بشكل منتظم. وكل أسبوع، نتدخل أيضاً في المدارس والجامعات والشركات لتوعية الطلاب والمواطنين بهذه الآفة، وللتأكد من أن الجميع يفهم أنه يجب علينا جميعاً استهلاك كميات أقل من البلاستيك. وقريباً، سنقوم بافتتاح مكتب في برشلونة، وقد عملنا بالفعل في العديد من المدارس هناك.

*هل تعتقد أن حماية البيئة والعمل على الحد من تداعيات التغير المناخي أصبحت مسؤولية الأفراد والشركات، بالإضافة إلى السياسات الحكومية التي تراعي الاستدامة البيئية في جميع القطاعات؟

-أجاب «بورجنون»: يجب أن يشارك الجميع في هذه الجهود. لم يعد لدينا وقت نضيعه ولا مزيد من الوقت لتوجيه أصابع الاتهام. حتى لو كان البعض مسؤولاً عن الموقف أكثر من غيره. وعلى الجميع اتخاذ الإجراءات على مستواهم. يجب على كل شخص أن يقوم بدوره أو دورها مثل الطائر الطنان الذي يقرر إطفاء الحريق في غابته.

وقال: بقدر ما نشعر بالقلق، فإن منظمة «ذي سي كلينرز» ملتزمة بأكثر من مجرد تقديم حل تشغيلي مبتكر. ورؤيتها للحفاظ على المحيطات هي رؤية عالمية وطويلة الأجل وعالمية في نطاقها. فهذه الرؤية تدمج وجهات النظر الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والتعليمية والعلمية بروح من التضامن.

جهود من أجل بحار نظيفة

تتخذ منظمة «ذي سي كلينرز» خطوات للحد من التلوث بالمخلفات البلاستيكية، ففي البحار تسعى المنظمة إلى جمع النفايات البلاستيكية العائمة بتركيز عالٍ قبل أن تغرق أو تتحلل وتتحول إلى لدائن دقيقة. كما أننا نساهم في معركة علمية من خلال البحث والسماح بتبادل البيانات. وعلى الأرض: تعمل «ذي سي كلينرز» على تخفيف المشكلة في مصدرها من خلال تثقيف الجمهور وإطلاق مبادرات للتوعية. وتقوم المنظمة بتنفيذ عمليات لجمع النفايات بالتعاون مع فرق من المتطوعين. ونؤيد أيضاً الانتقال لاقتصاد دائري من خلال تطوير واستعراض حلول تكنولوجية مبتكرة وصديقة للبيئة.

  • سفينة (المانتا) وسيلة تقنية لتطهير المياه من النفايات البلاستيكية قبل تحللها- الصورة من المصدر.

 

 «سفينة المانتا»

تقدم «ذي سي كلينرز» حلاً تقنياً لإزالة النفايات البلاستيكية من البحار من خلال «سفينة المانتا» عالية التقنية وصديقة للبيئة. ويمكن اعتبارها أول مصنع لمخلفات القوارب، يعمل على فرز ومعالجة وإعادة تدوير النفايات البلاستيكية حتى الصغيرة جداً البالغ حجمها 10 ميلمترات، وقادرة للعمل داخل عمق يصل إلى متر واحد على جمع ما بين 5000 إلى 10,000 طن متري من النفايات البلاستيكية سنوياً.

وعلى متن السفينة 50 متراً مربعاً من المرافق العلمية الحديثة لتحديد الموقع الجغرافي، وتحديد وتسجيل تفاصيل التلوث البلاستيكي، بما يوفر إمكانية مشاركة البيانات مع المجتمع العلمي. للعمل في منابع ومصبات الأنهار –المناطق التي تتراكم فيها النفايات البلاستيكية، لكنها لم تبدأ بعد في التحلل أو الانجراف إلى المحيطات. سفينة يمكن أن تنتشر بسرعة في أي مكان في العالم بعد الكوارث الطبيعية (الأعاصير – تسوناني، وما إلى ذلك) لجمع النفايات العائمة قبل أن تغرق. قادرة على تنظيف النفايات الكبيرة والنفايات الصغيرة والهيدروكربونات في المناطق الضيقة أو الضحلة: المياه الهادئة والمحمية والموانئ والبحيرات والأنهار والمياه الساحلية والأنهار ذات التيارات القوية، إلخ.

  مصارع البحار يتصدى للتلوث البلاستيكي

إيفان بورجنون قبطان فرنسي-سويسري حقق سجلاً مثيراً للإعجاب في السباقات الرياضية، وواجه تحديات خطيرة، أكسبته لقب «مصارع البحار». وكمغامر وبطل وملاح يحمل الأرقام القياسية، بدأ «بورجنون الإبحار» وهو في سن الثامنة، وشاهد بنفسه تلوث البحار والمحيطات. في عام 2016، قرر القيام بعمل حيال تلوث البحار، بعد رحلته منفرداً حول العالم، وأنشأ منظمة «ذي سي كلينرز»، وهي مؤسسة تهتم بالصالح العام، بموجب القانون الفرنسي لعام 1901.

خلاصات الحوار مع إيفان بورجنون:

*مبادرات وخطط رائعة في الإمارات تتماشى تماماً مع ما نحتاجه جميعاً لرعاية محيطاتنا 
*سياسة حاسمة تتبعها وكالة البيئة في أبوظبي لمكافحة التلوث الناجم عن المواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد
ـالاستدامة البيئية أولوية وطنية وإحدى الركائز الست للخطة الاستراتيجية الوطنية لدولة الإمارات
*خلال تجربتي في الملاحة حول العالم صُدمت من زيادة التلوث العائم في المحيطات.
*مهمة «ذي سي كلينرز» الرئيسية: حصر مناطق التلوث البلاستيكي الكثيف قبل تحللها إلى لدائن دقيقة =نشارك أسبوعياً في تنظيف الشواطئ بجميع أنحاء فرنسا وفي إسبانيا بشكل منتظم. 
*9 ملايين طن متري من مخلفات البلاستيك يتم إلقاؤها في بحار العالم كل عام
*تعاون مرتقب مع إندونيسيا بالقارب «موبولا 8» لتنظيف غابات المانجروف والأنهار من النفايات البلاستيكي.