نجح البشر في البقاء على قيد الحياة أكثر من غيرهم من المخلوقات الأخرى، ولكنَّ هذا البقاء يختلف عن الاستدامة بجوانبها البيئية، والاقتصادية، وأهمها الإنسانية والمجتمعية (الثقافية).

ولا تعتمد استدامة الحضارة وبقاؤها على البشرية، بل على إنسانيتنا نحن البشر. وبطبيعة الحال لكل إنسان سلوكيات وروتين يومي في حياته، وهو ما قد يزيد قدرته على الاستمرار الصحي في العطاء، وكذلك النمط المجتمعي في عمر الأمم أيضاً، إذ تزيد الممارسات النمطية قدرة الأمة على البناء.

والروتين هو ممارسات بسيطة، أو عادات وأعراف تخلق تناغماً خاصّاً في حياة بعض الناس، فتحرك عواطفهم، وتمدُّهم بالإلهام المستمر. وتتميَّز كثير من عاداتنا العربية بسِمتين اثنتين، أولاهما البساطة بمعنى العفوية، وهي سمة مهمَّة في تراث الشعوب بصفته جزءاً من ثقافتها، كما جاء في كتاب «من التراث الشعبي» للدكتور أحمد زياد محبك: «أبرز ما يتسم به النتاج الشعبي هو عفويته وشموله»، وأمَّا السمة الثانية، فهي الخصوصية الجمالية.

وهناك شرط لازم لاستدامة العادات يتمثل في تجنُّب الربط بينها وبين الأسباب والمتغيرات، فالزمن يتغير، والأفكار تتحول، ومع كل تحول نقترب من خسارة بعض العادات مثل: التخاشم (السلام بالخشم)، أو الاستقبال بالفنجال، أو الاحتفال باليوم الأربعين للمولود الجديد، وقد نرى أن هناك مَن يتعمَّد عدم اتباع مثل هذه العادات، وتجاهُل أعرافنا العربية بحجج وأسباب مختلَقة، وهذا ما يؤكد لنا أن السلوكيات اليومية من تقاليد سفر وضيافة وعمل ومناسبات ولباس، وغيرها، مرتبطة بالعواطف والمشاعر، لا بالأفكار.

وهنا يمكننا القول إن زوال السمات الثقافية قد يقع بفعل بعض فئات المجتمع، ولا تتحقق الاستدامة الثقافية إلا بإصرار جميع فئات المجتمع، وحفاظهم عليها. وحتى اللغات نفسها مهدَّدة بالاندثار، إذ جاء في بيان لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) أن العالم يخسر لغةً كل أسبوعين، ومن المؤكد أن أصحاب اللغة الزائلة سيتجهون عندئذٍ إلى التحدث بلغة من ثقافة أخرى، لكي تستمر حياتهم، وقد شرح فقيه الحضارة مالك بن نبي في كتابه «ميلاد مجتمع» هذه الفكرة بقوله: «[قد] تكون الاستعارة في صورة أخرى عندما تكون الحالة إعادة تركيب أنقاض مجتمع، أو مجتمعات، اختفت». ونلاحظ من مراحل اختفاء الثقافات أن المجتمعات تستمر في جميع الحالات، إمَّا بالحفاظ على الثقافة الأصلية، وإمَّا بثقافة أخرى مستعارة.

ويعني ذلك أننا إذا تخلَّينا عن فنجالنا العربي، أو أي أمر من الأمور الخاصة بنا، فسيحل مكانه فوراً بديل مستعار بحكم طبيعة الحياة. وأمَّا الخصوصية الجماليَّة للثقافة العربية، فتتميز بالثراء، ومن أجمل جوانبها وأقدمها العطور والبخور العربية الذائعة الصيت، فقد ذكرها هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد بالاسم نفسه، مشيراً إلى أن البخور العربي تجارة غنية، والعرب هم أصحابها، واليوم يُعَدُّ البخور والعود من الهدايا القيمة في وطننا العربي، وسوق «الذهب الأسود» نشيطة وواسعة ومستدامة منذ قرون بعيدة.

ومن العادات الأخرى المتجذِّرة في اللاوعي العربي التَّيامُن، فنحن نأكل ونكتب منذ القِدم باليمين، بل حتى صناعاتنا الفنية تكون باليمين. ويُعَدُّ التيامن من العادات العفوية التي رسَّخها الدين الحنيف، فقد ذُكِر في السيرة النبوية أن سيدنا محمداً -صلى الله عليه وسلم- استأذن طفلاً جالساً إلى يمينه أن يقدم الشراب إلى الكبار قبله، فرفض الولد قائلاً: «ما كُنْتُ لِأُوثِرَ بنَصِيبِي مِنْكَ يا رَسولَ اللَّهِ أحَداً»، فأعطاه الشراب.

وللتيامن عندنا أسبقية على السن، والمكانة، وأي شيء آخر. وعند المقارنة بين تمثال فني عربي، وآخر أوروبي، فإننا نرى -مثلاً- في عمل فني معاصر لسامي محمد، امرأة متمثلة بصفات خليجية، تحمل وعاءً تقليديّاً على كتفها اليمنى، ونرى في عمل فني (تمثال برونزي) يعود إلى القرن التاسع عشر للنحَّات الفرنسي «جارتان جان» امرأة ريفية تحمل جرة بيدها اليسرى، وهذا يدل على أن الفنون تعكس الانسياقات الفطرية لدى الإنسان، ولا شك في أن السمات المجتمعية، التي تجمع بين العفوية والجمال، وحدها قادرة على أن توقِظ وجدانه. ولذا يجب علينا الاهتمام بالتقاليد والموروث، لأن لثقافتنا دوراً في رفعة الإنسان والمجتمع، وبناء حضارة أكثر استدامة.

الشيخة/ اليازية بنت نهيان بن مبارك آل نهيان

سفيرة فوق العادة للثقافة العربية لدى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) .