تتوقف عملية التكامل والاندماج الاقتصادي الخليجي على العديد من العوامل، والتي يأتي في مقدمتها وجود بنية تحتية خليجية مشتركة ومتطورة، إذ إنه بدون هذه البنية ستظل الكثير من قضايا التعاون الخليجي معلقةً، كما هو الأمر حالياً.
وإذا ما تطرقنا إلى بعض القضايا المؤجلة أو بطيئة التنفيذ للبنية التحية الخليجية، فإنه يمكن تلمس مدى تأثيراتها على الاندماج الخليجي، وبالأخص إقامة السوق الخليجية المشتركة، فمشروع القطار ذي الأهمية التجارية والسياحية والبيئية ما زال يحبو في معظم دول المجلس، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على المدة المحددة لإنجازه كاملاً، وهو ما ينطبق على الربط المائي ذي الأهمية الاقتصادية والحياتية وللثروة السمكية في الخليج العربي الذي يزداد ملوحة، إذ يشير تقرير للأمم المتحدة إلى أنه لن تكون هناك ثروة سمكية بعد أربعين عاماً إذا لم تتخذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على الخليج من التلوث والملوحة المتزايدة.
وهذا ما ينطبق أيضاً على شبكة الغاز الخليجية التي لم تدرج على جدول الأعمال حتى الآن، وذلك رغم أهميتها للتنمية في كافة دول المجلس. كما أن هناك بعض المشاريع المجمدة الخاصة بالجسور والطرق، مما يعني أنه لم تتم الاستفادة من تجربة جسر الملك فهد بين السعودية والبحرين والذي حقق للبلدين، ولباقي دول المجلس، مكاسب تجارية واقتصادية لا تقدر بثمن وسهَّل كثيراً مِن تنقّل المواطنين والمقيمين.
وهنا نكتفي بهذه الأمثلة التي توضّح مدى أهمية هذه وغيرها من مشاريع البنية التحتية للاقتصادات الخليجية وتكاملها، مما يتطلب تجاوز هذه المرحلة من الجمود واتخاذ خطوات عملية نحو استكمال مشاريع البنى المشتركة لتشكل دَفعةً كبيرة للتنمية وللاستجابة للتطورات العالمية المتسارعة.
ومن خلال المتابعة اتضح أن هناك أسباباً متعددة عرقلت بعض هذه المشاريع، إلا أننا سنكتفي هنا بالجانب التمويلي والذي يشكل أحد أهم الأسباب والذي تمكن معالجته من خلال تأسيس صندوق خليجي للبنية التحتية، وهو أمر ممكن ومتاح، بحيث يناط به تنفيذ كافة مشاريع البنى المؤجلة أو المجمدة ومنحه الصلاحياتِ الكاملةَ للعمل بصورة مهنية وبمشاركة كافة دول المجلس، خصوصاً وأن أسعار النفط في أفضل حالتها، مما يتيح سهولةَ تأسيس الصندوق برأس مال يمكنه من خلاله القيام بمهامه دون عوائق.
أما في حالة تعذر ذلك، فيمكن تحويل مؤسسة الخليج للاستثمار إلى الصندوق الخليجي للبنية التحتية، خصوصاً وأن المؤسسة منذ قيامها قبل 40 عاماً اقتصرت معظم أنشطتها على الاستحواذات والمساهمة في بعض المشاريع القائمة، مما يتطلب تفعيل هذه المؤسسة التي تملك قدرات مالية مهمة دون أن تتناسب هذه القدرات مع حجم مساهماتها التنموية.
هذان خياران عمليان يمكن اختيار الأنسب منهما. وهذا مع العلم بأن الصندوق سوف لن يكلف دول المجلس أعباءً ماليةً إضافية في المستقبل، حيث يمكن فرض رسوم على خدمات مشاريع البنى التحتية الجديدة وتشغيلها على أسس تجارية، ليتحول الصندوق إلى التمويل الذاتي مع مرور الوقت، بل يمكن أن يدر أرباحاً على دول المجلس تساهم في تنويع مصادر الدخل.
ومرة أخرى يقدم جسر السعودية البحرين مثالاً حياً لمثل هذا التوجه. فقد طرحت فكرة الجسر عام 1966، لكن لم يتم تنفيذه وافتتاحه إلا في عام 1986، أي بعد عشرين عاماً. وهذا علماً بأن المشاريع المؤجلة الحالية تجاوزت هذه المدة ليتخطى بعضها ثلاثين عاماً، مما يشير إلى بعض الدلالات التي تتطلب سرعة التحرك لاستكمال مقومات البنى التحتية الخليجية المشتركة.
ومن بين أمور أخرى من تجاوز مرحلة اتخاذ القرارات الثانوية نحو القرارات الأكثر أهمية وتأثيراً، فالاجتماع رقم 120 للجنة التعاون المالي والاقتصادي بدول المجلس، والذي عقد بمسقط الأسبوع الماضي، اتخذ قراراً بالموافقة على ضوابط إعفاء مدخلات الصناعة. ورغم أهمية ذلك، فإن تطبيقه لن يكون ممكناً دون البنى التحتية المتطورة والسوق الخليجية المشتركة.
*خبير ومستشار اقتصادي