نقص المقولات ودراسة السياسة الخارجية
المتخصصون في السياسة الدولية قاموا بتطوير أطر عمل خاصة بالمقولات المستخدمة في تخصصهم بغرض التمكن بشكل أفضل من طرق وتحليل ما يعتقدون بأنه مشاكل في الحقل ذات أهمية كبيرة تفوق غيرها من المشاكل. وعلى صعيد منطقة الخليج العربي أدرك المتخصصون في شؤون دولة الإمارات على صعيد السياسة الدولية - وتقريباً دون استثناء - لسنوات طويلة منذ بداية تسعينيات القرن العشرين عدم الاستقرار في المنطقة، وبأن دراسة الأوضاع الأمنية في دول مجلس التعاون الخليجي على أنها تشكل التركيز الأهم والأعمق والأشمل في علاقات دولة الإمارات الخارجية من زاوية القدرة على الدفاع الجماعي عن دول المجلس.
وقد اتضحت الصورة العملية لذلك في أحداث كبرى أسهمت فيها دولة الإمارات بثقل كحرب تحرير دولة الكويت والدفاع عن الخاصرة الجنوبية الغربية للمملكة العربية السعودية وأحداث البحرين في عام 2011.
وكنتيجة لاحقة اعتمد المحللون بثقل على مناهج فيها مقولات الأمن وعلاقات القوة ما بين الدول على أنه أمر مسلم به وشرط ضروري لتشكل جوهر سياسات العالم. المنهج المسيطر هنا هو منهج «الواقعية السياسية»، وهو يقود إلى التركيز على أن الدولة، أو حقيقة مجموعة دول العالم، هي العنصر الفاعل الوحيد في السياسات الدولية.
وباستثناء ما يعد حتى الآن بأنه أدوات اقتصادية تستخدم لنهايات سياسية كالمساعدات والمعونات وبعض أنواع التجارة الدولية كتجارة الأسلحة، فإن توزيع فوائد العلاقات الاقتصادية يتم النظر إليها على أنها تقع خارج نطاق السياسات الدولية. ضمن هذه التقاليد التحليلية يتم النظر إلى التعاملات الاقتصادية الدولية كالتجارة الخارجية والشؤون المالية وقضايا النقد الأجنبي وأسعار صرفه على أنها بالضرورة علاقات ليست ذات طبيعة سياسية.
وكان يتم النظر إليها على أنها تدار وفقاً لصيغ تقنية محايدة سياسياً، ويتم توجيهها من قبل منظمات دولية مهنية ليست سياسية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتفاقية العامة حول التجارة والتعرفة. إلى وقت قريب كانت أطر العمل الخاصة بالمقولات التي استخدمت من قبل الدارسين المهتمين بشؤون دولة الإمارات تنحو إلى وضع العلاقات الاقتصادية في مرتبة دنيا من مراتب البحث، لذلك فإن العلاقات المتبادلة بين السياسة والاقتصاد لم تكن تفحص وفقاً لنظم محددة.
والمصالح التي لم تكن تخص الدولة كمصالح الشركات ومؤسسات المجتمع والفئات الاجتماعية المستقلة والأفراد لم تتلق الاهتمام في دراسات السياسة الدولية. وعليه فقد تم عملياً تجاهل في التحليل العلمي من قبل مناهج دخيلة على المجتمع وتدعى بأنها تتعامل بوضوح مع قضاياه ومصالحه.
لكن في حقيقة الأمر كانت دقائق وتفاصيل علاقات دولة الإمارات الخارجية سياسياً واقتصادياً غائبة عن أولئك الباحثين الذين شكلوا تقليداً تحليلياً مهيمناً في الدراسات الخاصة بدولة الإمارات على صعيد دراسات السياسات الدولية الخاصة بها، فكان تلك هي النتيجة التي جلبت الأسباب المهمة المسؤولة عن النقص الخاص في أطر العمل المتعلقة بالمقولات المفيدة في دراسة سياسات دولة الإمارات على صعد السياسة الدولية والاقتصاد الدولي والتجارة العالمية.
لكن بعض التطورات والأحداث الجديدة جلبت البعد الاقتصادي للسياسة العالمية، ما أدى لظهور نزعات وميول وتوجهات وتكيفات ومقولات جديدة تقدم تحليلاً نظامياً للعلاقة بين الاقتصاد الدولي والسلوك السياسي، وذلك في تضاد مع مناهج ومناظير تركز على جوانب القوة والأمن في النظام الدولي.
إن انخفاض سعر صرف الدولار مؤخراً مقابل العملات الرئيسية الأخرى، ونشاطات الشركات متعددة الجنسيات وشح الموارد ومشاكل التجارة التي تخلق الصراعات الدولية هي قضايا اقتصادية خرجت إلى جانب القضايا الأمنية وقضايا القوة كمشاكل سياسية خارجية تمثل أولويات عليا للعديد من الدول.
مصادر المشاكل هذه بالإضافة إلى الاهتمام المزايد بالتفسيرات القديمة للحرب الباردة الجديدة وبظاهرة التوسع الامبريالي الجديد هي زوايا للبحث ينظر إليها من حيث كونها ذات أهمية متزايدة في سياسات العالم وسياسة دولة الإمارات الخارجية، ولا تستطيع أية واحدة منها أن تكون متناولة جيداً ضمن أطر العمل الخاصة بالمقولات التي تستخدم الآن من قبل المتخصصين في تحليل السياسات الدولية وهي مقولات تنتمي إلى الماضي.
*كاتب إماراتي