يومًا بعد آخر يُثبت الذكاء الاصطناعي أهميته في مختلف المجالات ولا سيما في عالم الأعمال، فوفقاً لتقريرٍ حديث استطلع آراء المسؤولين عن القرارات التكنولوجية في شركاتهم، صدر عن الشركة العالمية «كيه بي إم جي» (KPMG)، عبَّر 53% من مدراء التكنولوجيا في الشركات الموجودة في دولة الإمارات عن رأيهم بأن الذكاء الاصطناعي، بما فيه موجته الجديدة من النماذج التوليدية، سيكون بالغ الأهمية في تحقيق الأهداف قصيرة الأجل لشركاتهم.

وكانت التكنولوجيات الناشئة الأخرى مهمة أيضًا، حيث يعتقد 43% منهم أن الحوسبة الطرفية قضية حيوية، فيما يعتقد 41% أن الحوسبة الكمية ستكون حاسمةً كذلك في تحقيق الأهداف. ورغم إثارة الميتافيرس اهتمامًا كبيراً في العامين الماضيين، فإن بطء وتيرة تطوير حلوله دفع 29% فقط ممن استُطلعت آراؤهم إلى الاعتقاد بأن تكنولوجياته الناشئة قد تساعد في بلوغ قطاعات الأعمال أهدافها على المدى القصير.

ويماثل واقع التكنولوجيات الناشئة وأهميتها في دولة الإمارات ما رُصد من آراءٍ في دولٍ أخرى متقدمة تكنولوجيًّا، حيث كان الذكاء الاصطناعي الأكثر تفضيلاً لدى 57% من قادة التكنولوجيا العالميين، في حين يعتقد 42% منهم أن الروبوتات والأتمتة ستؤثر على الأرجح على طموحات شركاتهم في المستقبل القريب، مباشرةً بعد الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتطورة. وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي ليس بالجديد على عالم الأعمال، فإن عالمنا تلقى دفعة كبيرة بظهور ما يُسمَّى بنماذجه التوليدية، بما فيها تطبيق «ChatGPT» من شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) الأميركية، وبصورةٍ جعلت العديد من الحكومات تسرع الخطى نحو صياغة أطرٍ تنظيمية تحكم قضاياه وتتعامل مع مختلف نتائجه المحتملة.

إن اهتمام دولة الإمارات بالذكاء الاصطناعي لا يخفى على أحد، فهي أول دولة في العالم تُعلن إنشاء وزارة تختص بالذكاء الاصطناعي باعتباره بوابة المستقبل، ما مكَّن الإمارات من التقدُّم بشكل مدروس في ريادة هذا القطاع، ولم يكن من الغريب أن يختار أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، معالي عمر سلطان العلماء، وزير دولة للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد، ضمن المجلس الدولي الاستشاري الذي يضم 39 شخصية عالمية، والذي تقصد الأمم المتحدة من وجوده الخروج بتوصيات تخدم قضايا الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي، وبناء فهمٍ مشترك وإجماع عالمي حول مخاطره وتحدياته، بالإضافة إلى سبل توظيف فرصه الكامنة وعوامله التمكينية لخدمة الحكومات في تسريع عملها المناخي، وما تبذله من جهود لتحقيق أهدافها في التنمية المستدامة السبعة عشر بحلول عام 2030.

إن تركيز مدراء التكنولوجيا في دولة الإمارات على أهمية الذكاء الاصطناعي، واختيار معالي عمر سلطان العلماء لعضوية المجلس الدولي الاستشاري للأمم المتحدة بخصوص الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي، يعكسان بالدليل المكانة التي وصلت إليها الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي بتوجيهات القيادة الرشيدة واهتمامها الخاص بهذه القضية، بما في ذلك استشراف مستقبله من أجل استباق تحدياته المحتملة، على النحو الذي يسمح بتسخير حلوله بصورةٍ سليمة وفاعلة لبناء مجتمع يرتقي إلى مستوياتٍ تُنافس أكثر الدول تقدُّمًا، وبما يعزِّز في الوقت نفسه دور دولة الإمارات في التعاون والشراكات الدولية لتأسيس غدٍ أفضل للبشرية كلها.

* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.