موقف الدول العربية من أحداث غزة موقف قويٌ منذ اليوم الأول، وهو يتطوّر ويتعزز مع مرور الأيام، وبيان القمة العربية الإسلامية المشتركة غير العادية بالأمس في الرياض يوضح هذا الموقف بجلاء لا يدع مجالاً للشك في صرامته وقوته وتأثيره.

هذا سياسياً، ولكن السياسة ليست كل المشهد، ولا أدواتها تسم بالواقعية والعقلانية المفضية للحلول الناجعة والمخارج الصحيحة للأزمان، فثمة أيديولوجياتٍ وخطاباتٍ ومنظوماتٍ فكريةٍ متكاملةٍ تحتل فيها الخرافة مركزاً رئيساً للتفكير والخطاب وبالتالي للحشد والدعاية والتجنيد، وهي صناعة حاضرةٌ لدى المؤدلجين دائماً، لكنها تنتعش لدى عامة الناس في حالات الضعف والعجز فردياً كان أم جماعياً.

في التاريخ الإسلامي وجدت الخرافات على مراحل وبمسميات مختلفة، وهي تزيد لدى بعض الفرق وتنقص عند غيرها، وهذا متفق مع طبيعة البشر ومنطق التاريخ، ولهذا فقد وجدت الخرافات لدى أهل السنة بوصفهم الأغلبية الحاكمة سياسياً والمتحكمة ثقافياً واجتماعياً، ولكن وجد أضعافه عن فرق الأقليات التي كانت تمثل المعارضة مثل الأقلية الشيعية أو الإسماعيلية أو نحوهما.

بعيداً عن الإسهاب في تفاصيل تاريخية وعلمية فإن ما جرى في غزة والظلم الفادح الذي يقع على سكانها المغلوبين على أمرهم من طرفين متقاتلين قد جعل الكثير منهم يخرج عن صمته ويواجه من أجبروه على الصمت سنواتٍ طويلةٍ غير عابئ بعقابٍ أو عذابٍ قد يقع عليه، ويستنكر المغامرات غير المحسوبة التي تجرّ عليه الولايات ويرفض استهدافه بالمقابل بكل آلات الحرب المتطورة والنوعية. الموقف السياسي تجاه ما جرى في غزة واضحٌ فلسطينياً وعربياً، وتسويق المغامرات السياسية والعسكرية فشل في التنظير السياسي والعقلاني المتماسك والمقنع، وبالتالي فقد اتجه طارحوه إلى مجموعةٍ من الخرافات والتفكير التآمري، الأول مصدره الخطابات الدينية والثاني مستجلبٌ من بعض طروحات اليسار العالمي التي أكل الدهر عليها وشرب.

في صناعة الخرافات فإنها صناعة قديمة تراثياً، ومرت بمراحل وتطورات، ولكنها شهدت انتعاشاً غير مسبوقٍ في طروحات جماعات الإسلام السياسي التي اعتمدت عليها كثيراً في تجييش الأتباع وحشدهم وفي تجنيد أتباعٍ جدد، وقد تأثرت «جماعة الإخوان» في ذلك بموروث يعتمد أنواعاً مختلفة من الخرافات، أنتجت من ذلك خطاباً جديداً يخدم الجماعة وإن أغلق أذهان أتباعها.

جزء من القصة بدأ بروايات «الجماعة» عن مواجهاتهم مع نظام عبدالناصر في السجون حيث سردوا رواياتٍ وحكاياتٍ متعذرة الوقوع فعلياً ولا يمكن تصديقها، وأوضح الأمثلة روايات «زينب الغزالي» المليئة بالدجل والمبالغات الفجة التي لا يقبلها عقلٌ ولا يتجاوب معها إنسان عاقلٌ، ولكن المؤدلجين ينساقون خلف الخرافات وكأنها حقائق ناصعة.

تطوّر الأمر في الثمانينيات بأفغانستان وروايات ما جرى فيها، وبالتحديد الخط الذي بدأه «عبدالله عزّام» في طروحاته ومحاضراته وأشهرها كتابه «آيات الرحمن في جهاد الأفغان» حيث اعتمد الكذب الصريح والاختلاق المحض لقصص تخالف سنن الله في الكون وتعارض نواميس الحياة من أساسها، وعزّام هذا هو أبو «الأفغان العرب» ودوره في تجنيد الإرهابيين طويلٌ ومعروفٌ.

في أحداث غزة عادت صناعة الخرافة لتنتعش من جديد، ولم يذهب صانعوها بعيداً فوجدوا أن «حذيفة» قادر على مواصلة نهج أبيه، فبات ينتج القصص الخرافية ويخلط فيها بين «الواقع» و«الأحلام» ويدمج بين «الحقيقة» و«الخيال» ويبث ذلك كله عبر وسائل التواصل الاجتماعي بلا رقيبٍ ولا حسيبٍ، ولولا احترام عقل ووقت القارئ لكانت الأمثلة معبرةً. أخيراً، فمواجهة الأزمات تتم بالعلم والعقل والوعي، وبقراءة محكمةٍ للواقع واستشرافٍ متقنٍ للمستقبل، لا بالأكاذيب والخرافات.

*كاتب سعودي