تأبَى دولة الإمارات في عصر وقوده المعلومات والبيانات والتطور التكنولوجي أن تكون فقط مستهلكة لما أنتجه العالم من قدرات تسهل الأنشطة الحياتية للإنسان وتعالج التحديات العابرة للحدود في أنشطتنا اليومية، بل إن تكون مطوراً رائداً للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط، وأن تُجاوز الإطار الإقليمي إلى الفضاء العالمي بصفتها فاعلاً قادراً على دعم التنمية المستدامة في أرجاء المعمورة.
ولذا عندما أعلنت دولة الإمارات، خلال قمة المناخ «كوب 29»، العمل على تطوير أول نموذج ذكاء اصطناعي في العالم مخصص للمجتمع الزراعي من «تشات جي بي تي»، لم يكن الأمر مستغرباً من أول بلد في المنطقة وضع استراتيجية للذكاء الاصطناعي في 2017، لتستثمر الدولة في الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعاتها الحكومية، وتدعم القطاع الخاص وزيادة الإنتاجية، وبناء قاعدة للبحث والتطوير، للاعتماد على الذكاء الاصطناعي في التنبؤ والتخطيط ووضع سياسات فاعلة.
ويجمع النموذج الجديد تشاغ (CHAG) بيانات أكثر من 50 عاماً من الأبحاث، ويمكنه مساعدة المزارعين في ظروف مناخية صعبة، إذْ يزوّدهم باستشارات لاتخاذ قرارات تتعلق بالحصاد وزراعة البذور والتكيُّف مع حالات الطقس المتقلبة، عبر بيانات وخطوات عملية تُمكِّن من تحقيق أفضل الإنتاج.
وبالرغم من عِظم التحديات الزراعية في الإمارات، مثل ندرة المياه، والمناخ الحار، والتربة الصحراوية، لوقوع الدولة في حزام المناطق الجافة، استندت الدولة إلى التكنولوجيا والابتكار في الزراعة، لتحسين الإنتاجية وزيادة المساحات المزروعة ومعدل الإنتاج، وترشيد استهلاك المياه، إذ تركز سياسات البيئة على تحفيز تبني نظم الزراعة الحديثة وفق أسس مستدامة تصبو نحو تحقيق استراتيجية الإمارات الوطنية للأمن الغذائي 2051، ويبرز الذكاء الاصطناعي هنا في توفير بيانات دقيقة لمعالجة التحديات الزراعية والمناخية، بل ونقل الخبرات السابقة للاستفادة منها وتطوير الحلول المستدامة، ونتيجة لذلك كان نصيب قطاع الزراعة والحراجة وصيد الأسماك في الناتج المحلي الإجمالي نحو 13.24 مليار درهم في 2023.
إن منصة المحادثة «تشاغ» ستقدم للمزارعين، عبر إجابات شاملة، حلولاً عن مختلف الجوانب الزراعية، ليس للمواطن الإماراتي وحده، بل في جميع أنحاء العالم، أي يمكن الاعتماد على المنصة في اختيار أفضل الممارسات الزراعية في الحفاظ على الموارد الطبيعية وتقليل الانبعاثات الكربونية وتحسين الإنتاجية وجودة المحاصيل، وإعطاء المزارعين المعلومات لاتخاذ قرارات مستنيرة تمكنهم من الإنتاج الوفير، ويمكن للأداة الجديدة التكيف مع التغيرات المناخية وتأثيراتها على الزراعة، وتلافي التحديات الناجمة عن الظروف المناخية المتطرفة، وبالتالي ازدهار قطاع الزراعة، وإحداث تحول في حياة المزارعين، خصوصاً أولئك الذين يعانون من الظروف المناخية الصعبة.
ويوماً بعد يوم يغرد النموذج الإماراتي عالياً بمنظومة البحث في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لتطوير حلول نافعة لحاضر ومستقبل البشرية، وهذه المنظومة تنتج أدوات تساعدنا في التنمية وتيسّر حياتنا. وبالأمس القريب كان نموذج الذكاء الاصطناعي «جيس» الأعلى جودة في العالم للغة العربية، واليوم «تشاغ» لتقديم حلول للزراعة والتكيف مع تغير المناخ، وبأيدٍ إماراتية يتواصل البحث والتطوير في المراكز المتخصصة والجامعات الوطنية، وباستثمار في الابتكار يفوق 3 مليارات دولار كل عام، مع التعاون مع كبريات الشركات العالمية في هذا المجال.
إن نموذج «تشاغ» خطوة رائدة تنقل الزراعة خطوات إلى قطاع أكثر ذكاء وكفاءة واستدامة، وذلك ما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي بزيادة الإنتاج الزراعي وتحسين جودته، ويساعد في ترشيد استخدام الموارد، ويحفز على المزيد من الابتكار في مجال الزراعة، ويفتح المجال أمام الدول والشركات للاستثمار أكثر في القطاعات الزراعية والتكنولوجية والبيئية، لتحقيق مزيد من النمو في الزراعة بتكلفة وجهد أقل، ولسدّ الاحتياجات العالمية والقضاء على الجوع في العالم.
*باحث رئيسي- رئيس معهد تريندز الدولي للتدريب- مركز تريندز للبحوث والاستشارات