انتهجت دولة الإمارات العربية المتحدة، خلال العقود الماضية، سياسة قائمة على تنويع الشراكات الاستراتيجية في إطار توجهها الدبلوماسي نحو توسيع الخيارات الإقليمية والدولية، وضمن مساعي الإمارات لبناء القوة وموازنة التحالفات المرنة التي تنتهجها على المستويات السياسية والاقتصادية والدفاعية مع القوى الآسيوية والغربية والأفريقية، وهو ما كشفت عنه الجولة التي قام بها معالي الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، وزير دولة، إلى عدد من الدول الأفريقية منتصف نوفمبر الماضي، لبحث العلاقات الثنائية، وتأكيد دعم التقدم والازدهار في دول القارة، وللترويج لأهمية العمل المشترك لدفع التعاون مع دول القارة إلى آفاق جديدة، بما يعود بالنفع على كلا الطرفين.
ويتضح من رصد تطور العلاقات الإماراتية الأفريقية، أن القارة باتت إحدى دوائر الحركة الرئيسة لدولة الإمارات، ولجهودها التنموية والاستثمارية، ولمساندة الأدوات الإنسانية والمجتمعية، بما يحقق المصالح المشتركة، ويكرس صورة الإمارات رمزاً للدبلوماسية الإنسانية. فالإمارات هي رابع أكبر مستثمر أجنبي في أفريقيا، بعد الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بإجمالي استثمارات تبلغ نحو 100 مليار دولار (بحسب بيانات «الأونكتاد»).
ويشهد التعاون والشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين دولة الإمارات والدول الأفريقية نمواً متواصلاً، حيث تحتل الإمارات المرتبة الأولى من بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والرابعة عالمياً في الاستثمار الأجنبي المباشر في أفريقيا، وتعمل في دولة الإمارات أكثر من 21 ألف شركة أفريقية في عدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية، كما تُعدُّ دولة الإمارات وجهة تصديرية محورية للأسواق الأفريقية.
ومن أبرز الشركات الإماراتية في القارة الأفريقية شركة موانئ دبي التي تعمل في أكثر من 50 موقعاً استراتيجياً في 12 دولة أفريقية، تشمل 9 موانئ بحرية واستثمارات تتجاوز 3 مليارات دولار، كما تُعدُّ مجموعة الفطيم من أكبر المستثمرين في القارة، وكذلك شركة اتصالات التي تعمل في 9 دول بالقارة.
وتتركز الاستثمارات الإماراتية في قطاعات نوعية تخدم المستهدفات الوطنية والتنموية بالقارة الإفريقية، خاصة قطاعات الطاقة، والطاقة المتجددة، والموانئ، واللوجستيات، والتعدين، والعقارات، والاتصالات، والتصنيع، والزراعة، والصحة، والتعليم، والسياحة.. كما طورت دولة الإمارات حجم ومجالات تجارتها مع القارة الأفريقية لتصل إلى نحو 50.4 مليار دولار (2022)، في الوقت الذي تُعدُّ فيه دولة الإمارات أكبر نقطة عبور لتجارة العديد من الدول الأفريقية.
كما تسعى دولة الإمارات إلى تعزيز قوتها الناعمة ودورها الإنساني في الدول الأفريقية عبر مشروعات تنموية، حيث مول صندوق أبوظبي للتنمية مشروعات حيوية في نحو 42 دولة أفريقية بقيمة تتجاوز 10 مليارات دولار في مجالات الطاقة والمياه والبنى التحتية والزراعة، كما تعمل المؤسسات الإنسانية الإماراتية في العديد من المجالات لخدمة الشعوب الإفريقية، وما أنشطة مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، وهيئة الهلال الأحمر، ومبادرة سقيا الماء، إلا نماذج على الدور الإنساني الإماراتي الذي يستهدف رفع المعاناة عن هذه الشعوب.
وتكريساً للنهج التعاوني مع دول القارة، استضافت دولة الإمارات مؤخراً منتدى للحوار مع القارة الأفريقية، نظمته وزارة الاقتصاد، بالتعاون مع مؤسسة Invest Africa، ومثّل المنتدى منصة مهمة لتعزيز آفاق التعاون الاستراتيجي على المستويات كافة بين دولة الإمارات ودول أفريقيا، ودعم العمل المشترك لتفعيل وتنمية ممر التجارة والاستثمار بين الإمارات وأفريقيا، الذي يشمل مختلف القطاعات الاقتصادية المهمة، ولا سيما الخدمات اللوجستية والبنية التحتية والتحول الرقمي والطاقة المتجددة والزراعة والأمن الغذائي.. مما يصب في مصلحة الجانبين، ويدعم خطط النمو لكليهما.
ويرجح تنامي الدور الاستراتيجي لدولة الإمارات في تطوير الموانئ في أفريقيا، خصوصاً الدور الاستراتيجي، لمجموعة موانئ أبوظبي، على النحو الذي يصب في اتجاه تطوير التجارة في أفريقيا، وخفض تكاليفها، وتحسين الوصول إلى الأسواق، وخلق مسارات جديدة للمزيد من الاستثمارات. كما ستسعى الدولة للإسهام الفاعل في تطوير الخدمات اللوجستية للموانئ الأفريقية، لتعزيز تواصلها مع الأسواق العالمية، بالنظر إلى أن القارة تمثل أحد أهم الأسواق الناشئة في العالم.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية