يعكس التغيير الوزاري الأخير، والذي تضمن إنشاء «وزارة الأسرة»، العمل المتواصل في دولة الإمارات العربية المتحدة من أجل تهيئة أفضل الظروف لتأسيس الأسرة المتماسكة بوصفها ركيزة أساسية لبناء المجتمع القوي، وتوفير كل ما يلزم لتنشئة أفرادها جميعاً في بيئة توفر لهم كل الخدمات النوعية وتلبي الاحتياجات المادية والمعنوية والروحية، على النحو الذي يُعزز مشاركتهم في مسيرة التقدم والتطور والتنمية، ويسهم في استدامة الرخاء والازدهار الاقتصادي، والاستقرار السياسي والأمني، وتأكيد المكانة التي وصلت إليها الدولة إقليميّاً وعالميّاً.
كما شمل التغيير الوزاري تعديل مسمى وزارة تنمية المجتمع ليصبح «وزارة تمكين المجتمع»، وهو تغيير يعني تطويراً لمنطلقات العمل بالوزارة والآليات التي يستخدمها، لتركز على تطوير منظومة تمكين اجتماعي متقدمة ومتكاملة تعزز المشاركة المجتمعية، وإدارة برامج التمكين والدعم الاجتماعي، بما يوفر الحماية للأسر ويعزز استقرارها واستقلاليتها المالية.
ويأتي إفراد وزارة للأسرة في إطار اهتمام القيادة الرشيدة بهذا المكوِّن الحيوي، إذ أكَّد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أن «الاهتمام بالأسرة والحرص على توفير كل ما من شأنه تعزيز تماسكها وتمكينها من أداء دورها المحوري، يمثل أولوية رئيسية في برامج الحكومة وخططها كونها مدرسة التربية الأولى وأساس المجتمع القوي والمستقر».
ويستند التغيير الوزاري الأخير إلى أساس مكين من الدراسات المتخصصة والمناقشات المتواصلة حولها، والتي بلغت ذروتها في «خلوة الأسرة» ضمن «الاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات»، التي عقدت يومي 5 و6 نوفمبر 2024. وقد شارك في هذه الخلوة أكثر من 500 شخصية من قيادات ومسؤولي الجهات الاتحادية والمحلية، وتم خلالها استعراض استراتيجيات ومبادرات قدمتها الجهات ذات الصلة من أجل تمكين الأسرة المواطنة، وذلك من خلال جلسات رئيسية أربع، هي: «تأسيس الأسرة» و«تمكين أجيال المستقبل» و«تمكين أصحاب الهمم»، و«تمكين كبار المواطنين». وقد تضمنت كل جلسة حزمة من الموضوعات التي تغطي الفكرة الرئيسية من مختلف جوانبها، كما أظهرت عناوين الجلسات الأربع شمول الرؤية، وتغطيتها جميع الفئات المكونة للأسرة، ولاسيما تلك التي تحتاج إلى عناية خاصة، وبرامج تُصمَّم لتلبية احتياجاتها ومتطلباتها.
ويستند عمل الوزارة الجديدة إلى جهود مؤسسية متواصلة، تجسدت في عدد من الاستراتيجيات والسياسات الاتحادية والمحلية التي تضع أطراً واضحة للعمل. ومن بين الجهود الاتحادية إصدار «السياسة الوطنية للأسرة» في مارس 2018، والتي كان من بين أهدافها: تكوين أسرة مهيأة لمواجهة تحديات الحياة الزوجية، وإعلاء قيم المحافظة على استقرار واستدامة الأسرة وتماسكها، وتوفير مناخ صحي وسليم يعمل على مساندة الأسرة في مواجهة ضغوط الحياة. وشملت «السياسة الوطنية للأسرة» ستة محاور رئيسية، هي: الزواج، والعلاقات الأسرية، والتوازن في الأدوار، ورعاية الأطفال، وحماية الأسرة، وإطار العمل. وحُدِّد لكل محور من المحاور الستة أهداف خاصة به وبرامج ومبادرات وضعت موضع التنفيذ منذ اليوم الأول لصدور هذه السياسة.
وإلى جانب ذلك، فقد صدرت «سياسة حماية الأسرة» في نوفمبر 2019، والتي تهدف إلى تعزيز منظومة اجتماعية تحقق الحماية لأفراد الأسرة وتحفظ كيانها وحقوقها، بما يعزز دور الأسرة ومشاركتها الفاعلة في التنمية المجتمعية. وفي يوليو 2023، صدرت «استراتيجية أبوظبي لجودة حياة الأسرة»، التي توفر الدعم لجميع أفراد الأسرة من خلال 30 مبادرة تغطي مختلف احتياجاتهم. وكانت إمارة الشارقة قد أصدرت «استراتيجية الأسرة» في يونيو 2015، وتتلخص رؤيتها في: «أسرة قوية ومتماسكة قادرة على مواجهة التحديات، أساسها القيم العربية والإسلامية، والانفتاح على الحضارة، والمحافظة على الهوية الوطنية».
وليس هناك من شك في أن هذا الرصيد الثري من الجهود المؤسسية المتعلقة بالأسرة، والخبرة الطويلة التي تراكمت من خلال خطط مدروسة جرى تنفيذها بنجاح، ووجود كادر وطني كفء يمتلك أرفع المهارات والقدرة على تحقيق الأهداف الوطنية، كل ذلك سوف يساعد «وزارة الأسرة» على أداء المهام المنوطة بها، ومن بينها اقتراح وإعداد وتنفيذ السياسات والاستراتيجيات والتشريعات المتعلقة ببناء أسر مستقرة ومتماسكة، وتعزيز دور الأسرة في التنشئة السليمة وتعزيز الهوية الوطنية، ونشر القيم والسلوكيات الإيجابية في المجتمع.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية