ما يحدث ويدور في أية قطعة من الوطن العربي الكبير له تأثير مباشر على بقية الدول دون استثناء. وعندما تكون هناك دول شبه فاشلة أو تسودها الفوضى العارمة، فإن ذلك يلامس الجغرافيا والمواد الخام والموارد الطبيعية، والسكان والاقتصاد والاستثمار، والنمو والتكنولوجيا والعناصر الأيديولوجية،والروح المعنوية والقيادة والشخصية الوطنية والكفاءة التنظيمية، ونوعية الدبلوماسية والتأهب، والصرف العسكري والمجهود الاستخباري في بقية الدول.
ولا يمكن عزل بقية الدول، وإبعادها عن التأثر المباشر وغير المباشر بما يجري في دولة عربية ما، وذلك على غرار ما يجري في غزة والسودان واليمن وسوريا وجنوب لبنان والعراق، وبدرجات وأولويات متفاوتة، وغير مستغرب أن تخطط كل الدول لخدمة مصالحها أولاً، ولكن عطفاً على بيئة التهديد تحدد الوسيلة والطريقة للوصول الأسرع والآمن للهدف، بعد تحييد المخاطر التي تقف عائقاً دون تحقيق المستهدفات،وهو ما يتطلب عملاً عربياً جماعياً،وهو ما لن يسمح به قبل أن تنفّذ الأجندات.
وبالحديث عما يجري في سوريا، فهو أمر لم يكن مصادفةً أو غير متوقع، وعدم حدوثه كان سيكون المفاجأة الكبرى، وغداً سنسمع عن أسد السنة وجند ضريح السيدة زينب أو العتبة الزينبية المقدسة في جنوب دمشق، وستتوالى تطورات الأحداث في محيط منطقة تمركز الزلزال السياسي الذي يضرب المنطقة، وبالتالي سقوط أحد أهم مصادر القوة القومية، وهو الاستقرار الإقليمي وتغير الجغرافيا بفرمان من السياسة، ولا سيما إذا ما عرفنا أن السياسة الخارجية لأي بلد تحددها جغرافيتها الطبيعية والمصطنعة، ومجالها الحيوي.
وكما هو الحال في مصادر القوة الوطنية يتعلق الأمر كذلك بحجم الدول والتركيبة السكانية والتوجه الأيديولوجي، ومن المؤكد أنه من الصعب هزيمة بلد أو أمة كبيرة، والطريق الأسهل للقيام بذلك هو تقسيمها أو تفكيكها وجعلها في حروب استنفار على الدوام وتناحر داخلي لا ينقطع وعجز عن تأمين الداخل قبل الخارج، وهي بكل تأكيد الاستراتيجية الأكثر نجاعةً للغزو دون الاضطرار لاستخدام السلاح.
كما جرت العادة أن يكون موقع الدول عاملاً محورياً وحيوياً لقوتها وقوة حلفائها، ولذلك فتقسيم الأراضي والحكومات المستهدفة، ووضع فواصل بحرية وبرية وجوية تعد عوامل مهمة للسيطرة على أي منطقة في العالم أو صدّ تقدم المنافسين.
وعليه، فإن ما يجري في سوريا مرتبط بالموقع والنفوذ البحري، ومصادر المياه ومحاصرة المنافسين وعزلهم، والدولة التي تريد أن تكون قوة عظمى لا بد من وجود موضع قدم لها في أهم منطقة استراتيجياً في العالم، والتموقع الاستباقي في قلب العالم، وأين ما توجد أولويات الحصول على الثروات المعروفة والكامنة، وأما فيما يخص الدول ذات المصادر المحدودة في المياه والغذاء فلابد من إيجاد مصادر بديلة لها، وحرمان منافسيها من الحصول على تلك المصادر لإضعافها، ناهيك أنه لا يمكن أن تصبح أي دولة صناعية وذات قوة عسكرية استثنائية دون امتلاك المواد الخام الأساسية بشكل كاف ومستدام لتحديد درجة التأثير والقوة التي تمارس على الآخرين، والوسائل التي تستخدمها الدولة بالفعل، أو يمكن استخدامها لتأمين الغايات والسياسات المرغوبة، وتحقيق الكفاءة الاقتصادية والتكنولوجية والقدرة على استخدام الموارد اللازمة تحت كل الظروف وفي كل الأوقات.
ويبدو لي أنه تم إسقاط تحديات على معظم دول المنطقة بالقدر الذي يجعلها محاصرة دون أن تملك القدرة على تحديد حدود وتجليات الحصار، ولكن نتائجه تكون حتماً ملموسة وهي المحددات الأكبر لمصادر وأدوات القوة في العالم العربي، وذلك بطبيعة الحال مرتبط بميزان القوى، ولا ينبغي لأي دولة أن تحاول أن تصبح قوية بشكل غير ملائم بالقدر الذي يمكن أن يعرّض التوازن للخطر، ولا ينبغي كذلك القضاء على أية دولة بشكل كامل، ولكن يجب إبقاء سلطة الدولة تحت السيطرة باسم «التوازن»، ولذلك يعد غياب هياكل التوجه السياسي الموحّد بين الدول العربية أمراً جوهرياً لتنفيذ كل المخططات الدولية ضد المنطقة، وهو حتماً خرق ومأزق أمني يجب تداركه في العاجل جداً.
* كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات