في تاريخ الولايات المتحدة، كانت الحكومة الفيدرالية هي السلطة الوصية المسؤولة على أهم المعلومات المجتمعية، من بيانات التعداد السكاني إلى سجلات الأمن القومي. لذا كانت الحكومة الفيدرالية هي المشرف الأول على الحقائق المتعلقة بالحياة العامة المهمة بلا منازع؛ غير أن السرية الحكومية المتزايدة إبان فترة الحرب الباردة أثارت بعض المخاوف بسبب الافتقار إلى الشفافية والمساءلة.

وفي عام 1955 تم اقتراح قانون جديد يمنح الجمهور الحق في الوصول إلى السجلات الفيدرالية، ألا وهو قانون «حرية المعلومات».

وبعد سنوات من المقاومة التي أبداها بعض من السياسيين، ومعظم الوكالات الحكومية، تم الاتفاق على توقيع قانون حرية المعلومات ليصبح قانوناً معتمداً في العام 1966. ومع الوقت تم التعديل على هذا التشريع التاريخي، مراراً وتكراراً، ليخدم غرضين أساسيين هما: تمكين المواطنين من التحقيق في القضايا ذات الأهمية المجتمعية والشخصية، وتعزيز الرقابة على الأشخاص الموجودين في السلطة. ومع ظهور الإنترنت في البلاد تم تغيير المشهد المعلوماتي بشكل كبير. فبالرغم من أن العمل بقانون حرية المعلومات ظل مستمراً، إلا أن العمل أصبح أقل مركزية بالنسبة للشفافية الشاملة، في وقت تبنت فيه الحكومة سياسات البيانات المفتوحة، بما في ذلك الأمر التنفيذي الصادر في عام 2013 والذي جعل البيانات المفتوحة والمقروءة آلياً هي الوضع التلقائي الجديد للمعلومات الحكومية. وبالتزامن مع ذلك، أخذت مواقع القوة بخصوص هذه البيانات يتحول من المؤسسات العامة إلى شركات التكنولوجيا الخاصة.

واليوم، حلّت شركات التكنولوجيا العملاقة محلّ الحكومات باعتبارها الوصيّ الرئيس على البيانات المهمة، سواء في الولايات المتحدة أو حول العالم. إذ باتت هذه الأخيرة تمارس نفوذاً غير مسبوق على المجتمع من خلال الكم الهائل من المعلومات التي تجمعها وتحلّلها وتستثمرها. ولكن خلافاً للحكومات الديمقراطية، فإنها ليست منتخَبة، ولا تعمل في إطار مبادئ المسؤولية المدنية أو الشفافية أو المساءلة. كما أن سلطتها تحرّكها دوافع خاصة بتحقيق الربح وليس من أجل الخدمة العامة.

واليوم، التداعيات كبيرة وواسعة النطاق. وعلى سبيل المثال، أعلن الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» مارك زوكربيرج، أن شركته التي تمتلك كلاً من «فيسبوك» و«إنستغرام»، الأسبوع الماضي، ستوقف جهود تدقيق الحقائق، وتزيد من الترويج للمحتوى السياسي على منصاتها. وقال في مقطع فيديو: «لقد أبان مدققو الحقائق عن قدر كبير من الانحياز السياسي». وبهذا الخطاب، يغيّر زوكربيرغ ما سيراه ويقرأه مليارات المستخدمين على «إنستغرام» و«فيسبوك» ومنصات «ميتا» الأخرى، مما يُظهر التأثير المطلق لعمالقة التكنولوجيا على نشر المعلومات.

والحال أيضاً، أن المخاطر المجتمعية لقوة تركيز البيانات موثقة جيداً. إذ وجدت الدراسات روابط بين منصات وسائل التواصل الاجتماعي ومعضلات صحية ومجتمعية، مثل: أزمات الصحة العقلية، واستغلال الأطفال، والتنمر الإلكتروني، ومشاكل صورة الجسد، والاستقطاب، والانقسام الاجتماعي، وانتشار المعلومات المضللة. ولعل الأكثر إثارة للقلق هو التأثير الملموس للمنصات الرقمية التي تروّج للكراهية والتعصب والمحتوى التحريضي في العالم الافتراضي، والذي غالبا ما يُترجم إلى أشياء سلبية وخطيرة في العالم الواقعي، غير أنه خلافاً لقدرة قانون حرية المعلومات على مساءلة الحكومات، فإنه لا توجد آلية مماثلة لإجبار شركات التكنولوجيا على التحلي بالشفافية. ورغم أن مبادرات مثل «اللائحة العامة لحماية البيانات» التابعة للاتحاد الأوروبي عزّزت حقوق الخصوصية الفردية، إلا أنها تظل دون المستوى لتلبية الاحتياجات الأوسع.

ولهذا حان الوقت لإنشاء نظام شبيه بقانون حرية المعلومات خاص بالتكنولوجيا الكبرى، يُلزم شركات التكنولوجيا بالإفصاح عن البيانات المهمة للرقابة العامة، خاصة المتعلقة باتخاذ القرارات الخاصة بالخوارزميات، وممارسات جمع البيانات، وسياسات الإشراف على المحتوى. فعلى غرار نظام قانون حرية المعلومات الحالي، سيتعين على شركات المنصات نشر فئات معينة من المعلومات على الإنترنت بشكل استباقي، بما في ذلك السجلات التي تُطلب بشكل متكرر. كما يمكن للباحثين والصحفيين وصنّاع السياسات تقديم طلبات تتماشى مع فئات محددة سلفا في إطار المصلحة العامة؛ وإذا لم تمتثل الشركة للطلب، فيمكن رفع دعوى قضائية لإجبارها على نشر المعلومات.

إن فرض الإفصاح المنتظم والمنهجي من خلال نظام شبيه بقانون حرية المعلومات من شأنه أن يغيّر الواقع الحالي. إذ من شأنه أن يدعم البحث المستقل، وعملية صنع السياسات المبنية على معلومات وأرقام. والأهم من ذلك هو أنه يستطيع أن يعمل خارج بوابة الصراع السياسي، ما يضمن عدم خضوع الشفافية لأولويات المشرّعين المتغيرة أو الإدارات الفردية. وعلى غرار قانون حرية المعلومات، سيجعل مثل هذا النظام شركات التكنولوجيا الكبرى أكثر شفافية حتى يستطيع الجمهور تحديد المشاكل عبر منصات التواصل الاجتماعي بسهولة أكبر والضغط على الشركات من أجل معالجتها. البيانات هي القوة؛ ومن دون الشفافية، تظل هذه القوة بلا قيود.

ولهذا، آن الأوان لوضع معيار جديد لمساءلة شركات التكنولوجيا الكبرى، معياراً يتماشى مع حجم تأثير هذه الشركات على حياتنا. ولا شك في أن صياغة قانون وتمريره عبر الكونجرس ليس بالأمر الهيّن. فالأمر سيتطلب إرادة سياسية، وأدلة لا جدال فيها على الأضرار المجتمعية، والتزاماً ثابتاً بالمبادئ الديمقراطية. ورغم ضخامة هذا التحدي، إلا أن التقاعس ليس خياراً؛ لأن الأساس الذي تقوم عليه ديمقراطيتنا، وأن المواطن يكون مطلعاً، يتوقف على ذلك.

*المديرة التنفيذية لـ«مركز شورينشتاين للإعلام والسياسة والسياسات العامة» في جامعة هارفارد.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنسينج آند سيندكيشن»