حتى قبل أن يضع كل من الرئيسين، ترامب وبوتين، توقيعيهما على اتفاقية إنهاء الحرب في أوكرانيا، بدأت تتضح أعداد الرابحين والخاسرين من هذه الحرب، التي هدّدت العالم بصدام نووي مدمر. ومع أن الحرب، كما يقال «خدعة»، إلا أن الخدعة هذه المرة لم تحدث في ساحة المعركة، كما هو متعارف عليه، وإنما في مكان آخر أكثر أهمية ويرتبط بمصالح قوى فاعلة في العلاقات المالية الدولية، إذ اكتسبت هذه الخدعة طابعاً مالياً، حقق معه الرابحون مكاسب كبيرة على حساب الخاسرين، الذين بلعوا الطعم بسذاجة بالغة. وفي هذا الصدد لندع الأرقام الرسمية تتحدث عن نفسها، ففرنسا أحد أهم أعضاء الاتحاد الأوروبي وأكثرهم انتقاداً للحرب ودعماً لأوكرانيا، سواء من خلال التصريحات النارية أم عبر الدعم المعنوي، وقد زادت خلال العامين الماضيين وارداتها من الغاز الروسي بنسبة كبيرة بلغت 81%، ودفعت لروسيا مقابل ذلك 2.8 مليار دولار، حسب معهد اقتصادات الطاقة والتحليل المالي!
حيث يصل ما نسبته 85% من الغاز الروسي لأوروبا عبر فرنسا وإسبانيا وبلجيكا، إذ تمتلك فرنسا بصفة خاصة محطات لتسييل الغاز، مقابل قدرة محدودة لألمانيا، التي بدأت في بناء مثل هذه المحطات بعد الحرب، إذ كانت تستورد احتياجاتها من الغاز الروسي من خلال الأنابيب الممتد إليها من روسيا بأسعار رخيصة، وقد تم إيقافها بطلب من الحلفاء!
لذلك تدفع ألمانيا الآن أسعاراً مضاعفة مقابل استيراد نفس الغاز الروسي، مما يحقق لحلفائها أرباحاً بمليارات الدولارات باعتبارهم وسيطاً يقوم بتسييل الغاز وإعادة ضخه عبر الأنابيب إلى ألمانيا، التي تكبّدت خسائر هائلة أثّرت على نموها الاقتصادي، وهو ما دفع بعض الخبراء إلى إثارة التساؤل: هل تعرضت ألمانيا لحملة خداع مالية كبيرة من قبل أعضاء الاتحاد الآخرين دفعت ثمنها باهظاً؟ وكان بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي، مثل المجر ورومانيا وبلغاريا، أكثر انسجاماً مع مصالحهم، حيث استمروا في استيراد الغاز الروسي عبر الأنابيب، رغم الضغوط الكبيرة التي تعرضوا لها من أجل وقف الغاز الروسي. وهذه دول أقل ثراء، وليس بمقدورها تحمل تكاليف إضافية، على عكس ألمانيا الغنية والمتطورة اقتصادياً.
ويبقى اللاعب الأكبر الذي يحرك معظم بيادق الشطرنج، أي الولايات المتحدة، فالإدارة الأميركية السابقة استفادت من تصدير الغاز الأميركي إلى أوروبا بثلاثة أضعاف سعر الغاز الروسي، بعد تراجع صادرات هذا الأخير إلى أوروبا، مما كلّف الموازنات الأوروبية، وبالأخص الألمانية، مبالغ طائلة، وأدى إلى إغلاق مئات المصانع التي لم يكن بمقدورها تحمل التكاليف مع أسعار الغاز الجديدة، وقد انعكس ذلك في نتائج الانتخابات نهاية الأسبوع الماضي.
مقابل ذلك خسرت الولايات المتحدة على المستوى الوطني 350 مليار دولار دُفعت لأوكرانيا، وفق الرئيس ترامب، حيث يدور سجال قوي واتهامات متبادلة الآن بين الحكومة الأوكرانية والإدارة الأميركية الجديدة، التي تطالب بالكشف عن قنوات صرف هذه المليارات وبإعادة قيمتها من خلال رهن مكامن المعادن الأوكرانية النادرة والثمينة، في حين يتهم الرئيس الأوكراني الإدارةَ السابقة بالفساد من خلال الاستيلاء على نصف هذه الأموال عبر عقود لوجستية وصفقات شراء أسلحة بعمولات كبيرة.
وفي نفس الوقت تشير المصادر إلى خسارة الشركات الأميركية 342 مليار دولار، بسبب تركها العمل في روسيا مع بداية الحرب، حيث تدير شركات روسية الآن وبنجاح مواقع تلك الشركات، وتحقق أرباحاً كبيرة، ويتوقع أن تعود معظم هذه الشركات إلى السوق الروسية قريباً، وتحديداً خلال الربع الثاني من هذا العام لتبدأ من الصفر مرة أخرى.
وإذا ما أضيفت تكاليف الشركات إلى المساعدات، فإن مجمل الخسائر الأميركية ستبلغ 700 مليار دولار تقريباً، هذا عدا الخسائر اللوجستية الخاصة بالنقل والمواصلات، وخسائر شركات التأمين المهيمنة على الأسواق العالمية، مما يعني أنه من الصعب تقدير مجمل هذه الخسائر، والتي قد تصل إلى تريليون دولار، في حين يتمتع الاقتصاد الروسي بمعدلات نمو جيدة، وتنوع أكثر في علاقاته التجارية والاستثمارية الدولية، كما أنه مقبل على قفزة تنموية مع رفع العقوبات الأميركية بالتزامن مع توقيع اتفاقية سلام تُنهي الحرب، كما هو متوقع.
*خبير ومستشار اقتصادي