كان من المتوقع هذا العام أن يركز مؤتمر ميونيخ للأمن، وهو تجمع لقادة العالم لمناقشة قضايا الحرب والسلام، على الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، في 24 فبراير 2022. وكان متوقعاً أن يؤكد أعضاء حلف شمال الأطلسي «الناتو» التزامَهم بأمن أوكرانيا، وأن يعززوا العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، ويبحثوا سبل جعل روسيا تدفع ثمن الأضرار التي ألحقتها قواتها المسلحة بأوكرانيا.

لكن بدلاً من ذلك، جاءت التصريحات الصادرة عن إدارة ترامب، وخاصة من الرئيس ونائب الرئيس ووزير الدفاع، لتوضح أن تغيراً جذرياً في السياسة الأميركية جارٍ في الوقت الحالي، مما قد يقوض أمن أوكرانيا ويهدد مستقبلَ التحالف الأطلسي (الناتو). فقد صرّح ترامب بأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هو من بدأ الحرب، ووصفه بالديكتاتور، وأعلن أن أميركا لن تقدم بعد الآن إمدادات مفتوحة من المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

ويواصل ترامب الإصرار على أن الحرب لم تكن لتحدث لو كان رئيساً في عام 2022، وأن انضمام أوكرانيا إلى «الناتو» أمر غير مرجح. وقد التقى وزير خارجية ترامب، ماركو روبيو، بمسؤولين روس في الأسبوع الماضي في العاصمة السعودية الرياض، في إطار الجهود الرامية لتحسين العلاقات وإيجاد طريقة لإنهاء الحرب، دون دعوة أي مسؤول أوكراني أو أوروبي لحضور الاجتماع. ولا يمكن التقليل من صدمة هذه التحركات في أوروبا، وأيضاً لدى العديد من الأميركيين، بمن فيهم الجمهوريون المحافظون. ومن ناحية أخرى، فقد فاز فريدريش ميرتس، زعيم «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» المحافظ، بمنصب المستشار الألماني في الانتخابات الألمانية التي جرت يوم الأحد الماضي. وميرتس سياسي محافظ يؤمن بشدة بأهمية العلاقة عبر الأطلسي.

ورداً على تصريحات ترامب حول روسيا وأوكرانيا، قال علناً: «إنه من الأولويات المطلقة تعزيز أوروبا في أسرع وقت ممكن حتى نتمكن من تحقيق الاستقلال عن الولايات المتحدة خطوة بخطوة». ومثل هذه اللغة من مسؤول ألماني لم يُسمع بها في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. منذ ذلك الوقت، كانت أميركا القائد الفعلي للعالم الغربي والضامن الأمني للعديد من الدول التي تعد جزءاً من التحالفات في منطقتي الأطلسي والمحيط الهادئ.

وربما تكون مخاوف أوروبا من تخلي الولايات المتحدة عنها مبالغاً فيها. فكثيراً ما تراجع ترامب عن وعوده بحل المشكلات الصعبة، بما في ذلك فرض التعريفات الجمركية على الشركاء التجاريين. وخلال حملته الانتخابية الرئاسية، تفاخر مراراً بأنه سينهي الحرب في أوكرانيا خلال يوم واحد إذا ما تم انتخابه. وإذا واجهت المفاوضات الأميركية مع روسيا صعوبات، فقد يتبنى ترامب موقفاً أكثر صرامة تجاه موسكو ويدرك أن الضمانات الأمنية الأميركية لأوكرانيا ضرورية لتحقيق أي تقدم نحو التسوية. وعلى نحو مماثل، قد يجد الحلفاء الأوروبيون سبلاً للتعاون مع ترامب إذا أظهروا استعداداً لزيادة ميزانياتهم الدفاعية بشكل أكبر والاستعداد لنشر قوات برية في أوكرانيا كجزء من ضمان أمني. وإذا كان من الممكن بناء مستوى من الثقة بين أوروبا والولايات المتحدة، فيجب أن يحدث ذلك في أقرب وقت ممكن. وأحد الأسباب الرئيسية لذلك هو إقناع أصدقاء أميركا وحلفائها في آسيا بأنها ستواصل دعمهم في ظل تزايد مخاوفهم بشأن القوة العسكرية الصينية.

فقد يؤدي فقدان الثقة إلى تصاعد الحديث عن الانتشار النووي في آسيا، حيث تمتلك كل من كوريا الجنوبية واليابان القدرة على بناء أسلحة نووية بمواردهما الخاصة. وينطبق نفس الأمر على الشرق الأوسط، حيث ستتضرر قدرة أميركا على الحفاظ على علاقات أمنية قوية مع الدول العربية الرئيسية وإسرائيل إذا لم يعد أقرب حلفائها في أوروبا يثقون في التزامها بالدفاع عنهم.

*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن