في 29 يناير الماضي، وجه «براين لانزا»، المستشار القديم للرئيس دونالد ترامب، تحذيراً صارخاً لمجموعة من المصنّعين الألمان، قائلاً، إن الرئيس يشبه «المطرقة الثقيلة»، فإما أن تتعاونوا معه، أو تتعرضوا للضرب، وفقاً لما ذكره «كارل هاوسجن»، رئيس اتحاد صناعة الهندسة الميكانيكية الألماني (VDMA)، الذي كان حاضراً في الاجتماع.
كان «لانزا» يحذر الألمان من بيع أنظمة الهيدروليك، التي تُستخدم في الأسرّة الطبية وكذلك في منصات إطلاق الصواريخ، إلى الصين. لم يكن الطلب بسيطاً، إذ يمكن أن يتضرر الاقتصاد الألماني، الذي يعاني بالفعل بسبب فقدان الغاز الروسي، إذا توقفت بكين عن شراء منتجاته.
لكن النبرة العدوانية لكلام لانزا كانت الصدمة الأكبر للكثيرين في القاعة ذلك اليوم. تساءلوا: هل كانت هذه مجرد «نبرة حب قاسية» من الولايات المتحدة لحث الأوروبيين على بذل المزيد من الجهد ضد تهديد مشترك؟ أم أن الأميركيين أصبحوا هم أنفسهم التهديد؟
كان هذا أحد الاجتماعات العديدة مع المسؤولين الأميركيين مؤخراً، والتي دفعت الأوروبيين إلى إعادة تقييم علاقتهم مع أهم حليف لهم. وفي الواقع، فقد بدأ الأوروبيون يدركون أنهم يعتمدون تماماً على قوة أجنبية لم تعد تتصرف كما عهدوها. فأميركا، التي كانت يوماً ما رائدةً في دعم النظام الديمقراطي الليبرالي العالمي، أصبحت الآن تنقلب عليه بطرق تصدم حلفاءَها.لا يقتصر الأمر على مطالبة إدارة ترامب لحلفائها بإنفاق المزيد على دفاعهم العسكري، بل إنها تهدد أيضاً بإشعال حرب تجارية قد تجعل جمع الأموال لهذا الغرض أكثر صعوبة. كما أن الإدارة الأميركية تدعم الأحزاب السياسية المؤيدة لروسيا في أنحاء أوروبا، مما قد يقوض المشروع الأوروبي من الداخل. وإلى جانب ذلك، تتخذ الإدارة الأميركية موقفاً تصالحياً مع روسيا، وتعقد اجتماعات حول مصير أوكرانيا دون إشراك أقرب حلفائها الأوروبيين.
ويكمن جزء من الذعر في عدم معرفة من يمكن الوثوق به، والشعور بالضعف عند إدراك أن الحليف قد يصبح المعتدي.
تخيلوا كيف يشعر الأوكرانيون، الذين يمثلون أقوى صوت في أوروبا للدفاع عن نمط حياتهم الديمقراطي! فهم يعتمدون على الأسلحة الأميركية وشبكة «ستارلينك» التابعة لإيلون ماسك للبقاء.
حتى قبل إعادة انتخاب ترامب، رأى نحو ثلث الألمان والإيطاليين والبريطانيين أن الولايات المتحدة تشكل «تهديداً للسلام والأمن في أوروبا»، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «فريدريش إيبرت»، مؤخراً، وهي مؤسسة تابعة للحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني. ومن المرجح أن تزداد هذه النسبة مع تزايد ازدراء إدارة ترامب العلني لحلفائها القدامى.
يريد الكثير من الأميركيين الانعزال عن العالم، لكن قادتهم لا يزالون يتصرفون وكأنهم الحكام المطلقون له. فقد أظهر الاستطلاع أن أكثر من نصف «الجمهوريين»، وما يقارب نصف «الديمقراطيين»، إما لا يعرفون أي جزء من العالم يجب أن تركز عليه الولايات المتحدة، أو أنهم يريدون ألا تركز على أي شيء خارج حدودها. والواقع أن الظروف مهيأة للتخلي عن أوروبا أو ابتزازها من أجل الحصول على مدفوعات الحماية.
في مؤتمر ميونيخ للأمن، وهو أحد أهم الاجتماعات السنوية للمسؤولين المنتخبين والقادة العسكريين، حاول بعضهم العثورَ على منطق استراتيجي وراء التصرفات الأميركية. قالوا لأنفسهم، إن الأميركيين يركزون على الصين، لذا يجب على أوروبا أن تلعب دوراً أكبر في الدفاع عن نفسها، وهو أمر صحيح. وافترض آخرون أن ترامب يحاول إبعاد روسيا عن الصين، كما فعل ريتشارد نيكسون مع البلدين في السبعينيات. لكن مع استمرار المؤتمر، بدا الأمر وكأن روسيا هي مَن تجرّ الأميركيين بعيداً عن حلفائهم.
ومع إدراك مدى خطورة الوضع في واشنطن، بدأت الأسئلة تتزايد: إذا كان ترامب يخطط لمواجهة الصين، فلماذا يقوم بتفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وهي أداة أساسية للقوة الناعمة الأميركية؟ ولماذا طرد آلاف العلماء الذين تحتاج إليهم الولايات المتحدة للحفاظ على تفوقها؟ وما الهدف من مهاجمة المؤسسات التعليمية التي يعتمد عليها الأميركيون للبقاء في الصدارة؟ ولماذا يصف نصف سكان بلاده بأنهم «العدو الداخلي»؟ وماذا يعني تهديد الجيران الودودين مقابل روسيا التي هي صديق للصين؟ وما المغري في منح الكثير من السلطة لإيلون ماسك، الذي لديه مصالح تجارية ضخمة في الصين؟ وهل يمكن أن يكون الرئيس قد تبنى نهج «إن لم تستطع هزيمتهم، فانضم إليهم»؟
لحظة التوضيح جاءت عندما ركّز الخطاب الذي طال انتظاره لنائب الرئيس، جي دي فانس، في المؤتمر، ليس على كيفية مواجهة التحالف الغربي للتحالف الصيني الروسي، بل على الكيفية التي تقوم بها الحكومات الأوروبية، مثل السويد وبريطانيا، بتضييق الخناق على المحافظين المسيحيين واليمين المتطرف.صحيح أن الناخبين في جميع أنحاء أوروبا باتوا يصوتون بشكل متزايد لصالح الأحزاب اليمينية المتطرفة المؤيدة لروسيا، وأن السياسيين التقليديين لم يجدوا بعد استجابةً فعالة لهذا الاتجاه. في عصر تيك توك، لم تعد روسيا بحاجة لخوض حرب للسيطرة على أوروبا، إذ يمكنها ببساطة تمويل السياسيين اليمينيين المتطرفين، والترويج لحسابات وسائل التواصل الاجتماعي، والإطاحة بالحكومات من دون إطلاق رصاصة واحدة.
لم يكن ضعف عملية صنع القرار الديمقراطي أكثر وضوحاً من الآن. فبغض النظر عن مدى قوة المستشار الألماني أولاف شولتز في مقاومة خطاب فانس، مؤكداً أن ألمانيا ستدعم أوكرانيا حتى النهاية، فقد أمكن للناخبين الألمان التصويت ضده في انتخابات الأسبوع المنصرم، تماماً كما فعل الناخبون الأميركيون مع جو بايدن عندما وعد بأن أميركا ستدعم أوكرانيا «طالما كان ذلك ضرورياً».
في عشاء حضره وزراء خارجية وجنود أوكرانيون، قالت «كيليان كونواي»، المستشارة السابقة لترامب، إن الرئيس يريد بصدق إنهاء الحرب، وهو يدرك أن أوكرانيا بحاجة إلى أمن حقيقي. وفي اجتماعات ميونيخ، حاول فانس ومسؤولون أميركيون آخرون طمأنة الحلفاء بأن الولايات المتحدة ما تزال شريكاً موثوقاً.
لكن الحقيقة هي أنه لا أحد يعرف ما الذي ناقشه المسؤولون الأميركيون والروس خلف الأبواب المغلقة الأسبوع الماضي. لم يشعر الأوروبيون بهذا القدر من الضعف منذ أجيال. وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأكثر وضوحاً في ميونيخ بشأن ما تحتاج إليه الديمقراطيات الأوروبية: جيش خاص بها.
يجب أن يكون الأوروبيون أقوياء، لأن مَن يهددونهم الآن لا يحترمون إلا القوة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
فرح ستوكمان*
*صحفية أميركية