عُقدت القمة العربية الطارئة في القاهرة يوم الثلاثاء الماضي، في ظل أزمة فلسطينية متفاقمة، حيث تبنّى القادة العرب خطةً مصرية لإعادة إعمار قطاع غزة. هذه الخطة، التي تمتد على مدى خمس سنوات وبتمويل قدره نحو 53 مليار دولار، تمثل خطوةً ضرورية في الوقت الحالي، لكنها ليست كافية ما لم تُبنَ على أسس متينة تستقطب اهتمام المجتمع الدولي وتؤمّن استدامة عملية إعادة الإعمار في القطاع.
منذ اندلاع الحرب الأخيرة في قطاع غزة، بات واضحاً أن المعالجة التقليدية للقضية الفلسطينية لم تعد مجديةً، إذ يتطلب الواقع الحالي مقاربةً جديدة تقوم على ثلاث ركائز: الحوكمة الرشيدة، التنمية الاقتصادية المستدامة، والانخراط الدولي الفاعل.
ويبدو أن الخطة المصرية تطرح هذه العناصر وتؤكد عليها، لكن التحدي يكمن في ضمان تنفيذها بطريقة تحقق الأهداف المرجوة منها. والركيزة الأولى، أي الحوكمة، هي مفتاح نجاح أي مشروع تنموي في قطاع غزة. ويشتمل ذلك على تشكيل لجنة إدارة تكنوقراطية بعيداً عن التجاذبات السياسية، بما يضمن تحقيق الشفافية وإرساء أسلوب المساءلة، مما يعزز ثقةَ المجتمع الدولي والدول المانحة. وبدون هذه الضمانة (أي الحوكمة)، ستظل أي خطة لإعادة الإعمار في القطاع محكومة بتحديات الفساد وآفات المحاصصة.
أما الركيزة الثانية، فتكمن في التنمية الاقتصادية، ذلك أن قطاع غزة ليس بحاجة إلى حلول إسعافية فحسب، بل بحاجة كذلك إلى رؤية استراتيجية تعزز الاكتفاء الذاتي، سواء عبر الاستثمار في البنية التحتية، أو من خلال دعم القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، ومشاريع إعادة إعمار البنية التحتية.. يجب ألا تكون خطة إعادة الإعمار مجرد عملية ترميم لما دمرته الحرب، بل انطلاقة جديدة نحو اقتصاد قادر على الصمود والازدهار.
وأخيراً تتعلق الركيزة الثالثة، وهي الأهم، بكيفية استقطاب اهتمام ودعم المجتمع الدولي، فالعالم اليوم منشغل بملفات عديدة، وأي تحرك دولي تجاه غزة يجب أن يكون جزءاً من مقاربة أوسع لتحقيق السلام والاستقرار الإقليمي، وهنا ينبغي أن تلعب الدبلوماسية العربية دوراً محورياً في إقناع القوى الكبرى بأن استثمارها في إعادة إعمار غزة ليس عملاً إنسانياً فقط، بل ضرورة استراتيجية تضمن تحقيق الهدوء وعدم انفجار الأوضاع مجدداً.
و التحدي الأكبر لا يكمن في التمويل، بل في كيفية ضمان تنفيذ الخطة ضمن بيئة مستقرة أمنياً وسياسياً، وهذا يتطلب إرادةً سياسية عربية موحدة، وخلقَ شراكات إقليمية ودولية لضمان نجاح الخطة. إن إعادة إعمار غزة ليست مجرد مشروع إنساني، بل هي اختبار حقيقي لجدية العرب في التعامل مع قضيتهم المركزية بواقعية ومسؤولية. ووحدها الخطط المدروسة، القائمة على أسس متينة، يمكنها أن تتحول إلى واقع ملموس يضع غزة على طريق التعافي والاستدامة.
*كاتب أردني مقيم في بلجيكا