في ظل تصاعد وتيرة النزاع المسلح في السودان بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، برز الموقف الإماراتي كأنموذج متزن في التعامل مع الأزمة، يجمع بين الالتزام الإنساني والموقف السياسي الداعم للحل السلمي، في مواجهة حملات دعائية تهدف إلى تشويه الحقائق وصرف الانتباه عن المسببات الحقيقية للصراع. ففي خطوة تعكس حرصها على منع تفاقم الأزمة، أعلنت الإمارات عن إحباط عملية تهريب ضخمة للذخائر كانت في طريقها إلى السودان، بلغت كميتها خمسة ملايين طلقة نارية، وضُبطت على متن طائرة خاصة في أحد مطارات الدولة. وأسفرت العملية عن تفكيك خلية وساطة غير مرخصة، تورطت في صفقة سلاح مع جهات سودانية يُشتبه في صلتها بمسؤولين عسكريين سابقين وشخصيات قريبة من مراكز القرار. وأكد النائب العام الإماراتي أن هذه الخطوة جاءت في إطار مسؤولية الدولة في التصدي لأي محاولة لاستخدام أراضيها كممر لتهريب السلاح وتأجيج النزاعات.
وفي مواجهة هذه الإجراءات سارعت القوات المسلحة السودانية إلى نفي الواقعة وتوجيه اتهامات واهية إلى الإمارات، في محاولة واضحة للتهرب من الالتزامات الوطنية والدولية، وتحويل مسار النقاش من الدعوة إلى السلام إلى الاتهامات غير المثبتة. وقد أكدت بعثة الإمارات لدى الأمم المتحدة أن مثل هذه الادعاءات لا تستند إلى وقائع، وتستهدف تشويه صورة الإمارات المعروفة بدورها الإنساني والدبلوماسي الفاعل.
وفي هذا السياق، تجلّت المواقف الإماراتية النبيلة من خلال سجل طويل من المبادرات الإنسانية التي شكّلت طوق نجاة لملايين السودانيين المتضررين من الحرب. فقد قدمت الإمارات منذ اندلاع الأزمة مساعدات إنسانية تجاوزت قيمتها 600.4 مليون دولار، منها 200 مليون دولار خُصصت خلال المؤتمر الإنساني رفيع المستوى الذي عقد في أديس أبابا في فبراير الماضي. وبلغ عدد المستفيدين من هذه المساعدات أكثر من مليوني شخص، كما بلغ إجمالي ما قدمته الإمارات للشعب السوداني خلال السنوات العشر الأخيرة نحو 3.5 مليار دولار، في صورة مساعدات إنسانية وإنمائية وصحية وغذائية عاجلة، ما يعكس التزاماً ثابتاً بدعم السودان بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.
وقد شملت هذه المساعدات تسيير جسر جوي من عشرات الطائرات الإغاثية إلى المناطق المنكوبة، وإنشاء مستشفيات ميدانية، وتوفير مواد غذائية وطبية عاجلة، فضلاً عن استقبال جرحى ومرضى سودانيين في مستشفيات الدولة. هذا بالإضافة إلى مساهمتها الفاعلة في مؤتمر لندن لدعم السودان، ودعوتها المتواصلة لوقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات، في إطار شراكة دولية تهدف إلى إنهاء معاناة الشعب السوداني. كما دعت الإمارات المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم تجاه أي عرقلة متعمدة لوصول المساعدات الإنسانية، وشددت على ضرورة محاسبة كل من يستخدم المعاناة الإنسانية كسلاح في النزاع. وأكدت في هذا السياق على أهمية التزام جميع الأطراف بالقانون الدولي الإنساني، بما يضمن حماية المدنيين واستعادة الاستقرار، كما ورد في إعلان جدة.
إن الموقف الإماراتي من الأزمة السودانية ليس طارئاً ولا يندرج ضمن رد فعل سياسي، بل هو تعبير عن نهج ثابت يقوم على تغليب لغة السلام والدبلوماسية الصريحة، والتمسك بمسؤولية إنسانية وأخلاقية تجاه الشعوب المتضررة من النزاعات، وفق رؤية راسخة دأبت الإمارات على تطبيقها على أرض الواقع. وبينما تنشغل أطراف النزاع في تبادل الاتهامات، تواصل الإمارات دورها البنّاء في تقديم الإغاثة، وتيسير الحلول وتعزيز العمل الإنساني، والدعوة إلى مستقبل ينعم فيه السودانيون بالأمن والاستقرار، في ظل حكومة مدنية.. ونسأل الله أن يحمي الإمارات من كيد الكائدين!
*كاتبة إماراتية