على أميركا أن تتخلى عن أوهام التفوّق في سباق الابتكار، فالصين لم تعد تتأخر كثيراً، بل باتت تقترب بثقة من موقع الريادة. وحين التقى بهم إيريك شميت وهنري كيسنجر في يوليو 2023، لم يكن قادة الصين يدركون تماماً قوة الذكاء الاصطناعي، إذ كانت البلاد تعيش حالة من الركود الاقتصادي والتشاؤم يخيّم على الأجواء. ولكن بعد 19 شهراً فحسب، ينتشر حالياً مشهد مختلف تماماً مليء بالتفاؤل. وهيمن برنامج «ديب سيك» وغيره من برامج الدردشة الآلية على أحاديث العشاء. وانطلقت السيارات الكهربائية في الشوارع، بينما قدمت التطبيقات خدمةَ توصيل الطعام بطائرات من دون طيار.
ورقصت روبوتات «يونيتري» البشرية ولوحت بالمناديل على المسرح خلال برنامج «مهرجان الربيع»، البرنامج التلفزيوني الأكثر مشاهدة في الصين، مما جعل الشركة اسماً مألوفاً بين عشية وضحاها. تُنافس الصين الولايات المتحدة، بل تتقدم عليها، في مجموعة متنوعة من التقنيات، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث طوّرت الصين تفوقاً حقيقياً في كيفية نشر التكنولوجيا وتسويقها وتصنيعها. وأظهر لنا التاريخ أن مَن يتبنى التكنولوجيا وينشرها أسرع هو مَن ينتصر في النهاية. لذا، ليس من المُستغرب أن ترد الصين بقوة على الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية مؤخراً، إذ أن الفوز في سباق مستقبل التكنولوجيا، وبالتالي في معركة القيادة العالمية، يعني التخلي عن الاعتقاد بأن أميركا دائماً في المقدمة.
ولطالما كانت الصين أبطأ في اللحاق بالركب، ففي عام 2007، العام الذي كشف فيه ستيف جوبز عن أول هاتف آيفون من آبل، كانت ثورة الإنترنت قد بدأت للتو عبر المحيط الهادئ، وكان حوالي 10% فقط من سكان الصين متصلين بالإنترنت، بينما كانت شركة «علي بابا» العملاقة للتكنولوجيا لا تزال على بُعد سبع سنوات من الإدراج في بورصة نيويورك.
وبدا أن سباق الذكاء الاصطناعي يسير على النمط القديم، فعند إطلاق «شات دجي بي تي ChatGPT» لأول مرة في سان فرانسيسكو في نوفمبر 2022، ظهر عدد كبير من روبوتات الدردشة المقلدة في الصين، والتي كان معظمها متأخراً بسنوات. ومع ذلك، وكما هو الحال مع الهواتف الذكية والمركبات الكهربائية، لم يتوقع وادي السيليكون أن تجد الصين طريقةً لتطوير منافس زهيد الثمن ومتطور بشكل سريع. إلا أن النماذج الصينية الحالية لا تتخلف كثيراً عن الإصدارات الأميركية الحالية. وفي الواقع، يُعد تحديث «ديب سيك» للنموذج اللغوي الكبير «V3»، في مارس الماضي، وفقاً لبعض المعايير، الأفضل بين النماذج غير المعتمدة على قدرات الاستدلال.
وتعتبر مخاطر هذا السباق عالية، فالشركات الأميركية الرائدة طوّرت نماذج ذكاء اصطناعي خاصة بها، وفرضت رسوماً على استخدامها، جزئياً لأن تدريب تلك النماذج يكلف مئات الملايين من الدولارات. أما الشركات الصينية، فوسّعت من نفوذها من خلال نشر نماذجها بشكل مجاني ليستخدمها الجمهور، أو لتنزيلها وتعديلها، مما يجعلها أكثر إتاحة للباحثين والمطورين حول العالم.
وتُعدّ تطبيقات شركتي البيع بالتجزئة الإلكترونيتين الصينيتين «شين» و«تيمو»، ومنصتي التواصل الاجتماعي «ريد نوت» و«تيك توك»، من بين الأكثر تحميلاً على مستوى العالم. وإذا أضفنا إلى ذلك الشعبية المتواصلة لنماذج الذكاء الاصطناعي الصينية المجانية مفتوحة المصدر، يصبح من السهل تخيّل إدمان المراهقين حول العالم على التطبيقات الصينية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مع وجود وكلاء مستقلين صينيي الصنع يُنظّمون حياتنا، وشركات تُقدّم خدمات ومنتجات مدعومة بنماذج صينية. في ظل ثورة الإنترنت، ساعدت هيمنة الغرب على السوق على نمو الاقتصاد الرقمي الأميركي ليصل إلى 2.6 تريليون دولار بحلول عام 2022، وهو ما يفوق الناتج المحلي الإجمالي لكندا.
ولكي تجني الولايات المتحدة ثمار ثورة الذكاء الاصطناعي القادمة، والتي يُتوقع أن يكون لها تأثير أكبر من تأثير ظهور الإنترنت، فعلى العالم اختيار حزمة الحوسبة الأميركية (الخوارزميات والتطبيقات والأجهزة) وليس الحزمة الصينية. في غضون اثني عشر عاماً، تحولت الصين من «دولة مقلدة» إلى قوة ضاربة بمنتجات عالمية المستوى، تجاوزت أحياناً تلك الموجودة في الغرب.
وعلى سبيل المثال، سلمت شركة شاومي، التي اشتهرت سابقاً بصناعة نسخ مقلدة من آيفون، 135 ألف سيارة كهربائية العام الماضي، بينما تخلت شركة آبل عن جهودها لإنتاج سيارة كهربائية بعد أن أنفقت 10 مليارات دولار على مدى عقد من الزمان. وتخوض الصين في الوقت الحالي سباقاً لنشر الروبوتات على نطاق واسع، وتضع خططاً لإنتاج كميات كبيرة من الروبوتات الشبيهة بالبشر. ففي عام 2023، ركّبت الصين روبوتات صناعية أكثر من جميع الدول الأخرى مجتمعةً.
وفي الوقت نفسه، طوّرت كذلك وفرةً من المواهب في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وسلاسل توريد قوية، وقدرات تصنيعية هائلة، ونظاماً بيئياً محلياً شديدَ التنافسية، لدرجة أن الطريقة الوحيدة للبقاء هي عدم التوقف عن التطوير. وبدأت ملامح المستقبل الذي تهيمن عليه الصين تتشكل بالفعل، ما لم تتخذ الولايات المتحدة خطوات جادة وسريعة لتدارك الأمر والتعلم من نجاح الصين عن طريق مشاركة المزيد من تقنياتها وأبحاثها في مجال الذكاء الاصطناعي بشكل منفتح، وتسريع الابتكار، ومضاعفة الجهود في نشر الذكاء الاصطناعي في جميع قطاعات الاقتصاد.ورغم التخفيضات الأخيرة في تمويل الأبحاث، فلا تزال الولايات المتحدة تتمتع بنقاط قوة ملحوظة في الابتكار الجامعي والقطاع الخاص.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الصين تحاول اللحاق بركب أشباه الموصلات. كما تواجه تحديات كبيرة، تشمل أزمة العقارات، وتزايد الديون، وضعف الإنفاق الاستهلاكي. ومع ذلك، لا ينبغي الاستهانة بعزم الحكومة الصينية على تحمل التقلبات الاقتصادية على المدى القريب في سعيها للتفوق التكنولوجي. وفرضت الولايات المتحدة قيوداً على تصدير الرقاقات الحديثة بهدف خنق تقدم الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، إلا أن الإنجازات الأخيرة التي حققتها بكين تظهر أن تلك العقوبات حفزت جهودَ رواد الأعمال الصينيين لمواصلة تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي والتسويق لها.
الخلاصة أن الصين لم تعد متأخرة عن الولايات المتحدة في العصر الحالي، وإذا استمرت قدراتها على الابتكار، وواصلت شركات الذكاء الاصطناعي في تبني الانفتاح، وإذا ظلت الصين على المسار الصحيح للاستحواذ على 45% من إجمالي التصنيع العالمي بحلول عام 2030، فإن الفصل التالي من سباق الذكاء الاصطناعي سيكون صراعاً شرساً على جميع المحاور الممكنة، وستحتاج أميركا إلى استغلال كل ما تمتلكه من مزايا.
إريك شميدت*
*الرئيس التنفيذي السابق ورئيس مجلس إدارة جوجل
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»