يُعد البحث العلمي أحد أرقى تجلِّيات النشاط الفكري الإنساني، إذ لا يقتصر دوره على فهم الكون فحسب، بل يمتد ليكون وسيلة جوهرية لتحسين جودة الحياة في الحاضر، واستشراف مستقبل أفضل، فالغاية العظمى من البحث العلمي لا تنحصر في إنتاج المعرفة المجرَّدة، أو نَيل الشهادات الأكاديمية، بل تكمن في قدرته على إحداث أثر ملموس في حياة الأفراد والمجتمعات.
ومن هنا تتجسَّد الأهمية العميقة لربط البحث العلمي بالقطاع الثالث، الذي يشمل مؤسسات النفع العام بأشكالها كافة، إذ يكون المجتمع هو المستفيد الأول والأخير.وتتعدَّد دوافع الاستثمار في البحث العلمي، وفي مقدمتها دعم التنمية الاقتصادية، وتعزيز فرص الابتكار، وتطوير التكنولوجيا، وكلها أهداف نبيلة ومطلوبة، غير أن الهدف الأسمى يتمثَّل في تحقيق الأثر المجتمعي العميق، أي في خلق بيئة اجتماعية تُعلي من قيمة السؤال، وتدفع نحو المعرفة، وتتخذ من البحث العلمي أسلوب حياة يوميّاً، لا امتيازاً وحكراً على النخب الأكاديمية. وحين يصبح المجتمع شريكاً في البحث لا موضوعاً له فقط، تتحقق نقلة نوعية في مسار التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق لا ينبغي النظر إلى البحث العلمي بصفته حكراً على الأكاديميين، أو المتخصصين، بل هو مِلْك مُشاع للجميع، يحق لكل فرد أن يسأل، ويبحث، ويشارك بخياله وفكره وتجربته، فالمجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تملك مختبرات متطورة فقط، بل التي تُهيئ بيئة محفزة على التساؤل والإبداع وبناء المعارف. إنَّ كل سؤال يُطرَح في الحياة اليومية يمكن أن يكون نواة لفكرة بحثية تغيِّر العالم. وهنا يأتي دور المؤسسات التي تمكِّن هذه المشاركة، وتدعم المبادرات الفردية، وتفتح أبواب التعاون بين المجتمع والباحثين، بما يسهم في نقل المعرفة من المختبر إلى الشارع، ومن الجامعة إلى المدرسة، ومن الورقة إلى الواقع.
وبفضل الرؤية الطموحة لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة برز القطاع الثالث مسهماً رئيسياً في التنمية المجتمعية، مدعوماً بتشريعات حديثة وتنظيمات مرنة، ولا سيَّما في مجال الجمعيات ذات النفع العام، ومن بين هذه المبادرات الرائدة تأسيس جمعية الباحثين في عام 2024، كأول جمعية تُعنى بتعزيز ثقافة البحث العلمي على مستوى المجتمع بمختلف فئاته، وليس الأكاديميين فقط.
وتسعى جمعية الباحثين إلى تحقيق أهداف استراتيجية تتقاطع بين البحث العلمي والحراك المجتمعي، مثل تفعيل مفهوم الوقف المعرفي، واستثمار خبرات الأكاديميين المتقاعدين، وتوجيه الطاقات الأكاديمية نحو قضايا المجتمع، كما تهدف الجمعية إلى الربط بين مختلف الفئات: من الطلبة إلى المتقاعدين، ومن موظفي المؤسسات إلى رواد الأعمال، بما يسهم في إرساء بيئة علمية نابضة تؤمن بقيمة السؤال، وتقدِّر الجهد البحثي، وتشجِّع على بناء مساحات مشتركة للحوار والتفكير.
وبفضل هذه الجهود المشتركة يُبنى مجتمع إماراتي يتنفَّس العلم، ويؤمن بأن البحث العلمي ضرورة لا تَرَف، وبأن كل فرد فيه قادر على أن يكون باحثاً في محيطه، ساعياً إلى التغيير الإيجابي، وبناء المستقبل.
أ.د. غانم كشواني
*أمين سر جمعية الباحثين