هل لا يزال الإنسان ذلك المجهول، أم أصبح أكثر غموضاً في عصر المعرفة؟ قد يقول البعض إننا نعيش في عصر المعرفة، حيث أصبحت المعلومات متاحة بسهولة لم تكن متاحةً في زمن أليكسس كاريل، مؤلف كتاب «الإنسان ذلك المجهول». ومع هذا، يبدو أننا فقدنا الكثيرَ من الحكمة. فكلما ازدادت كمية المعلومات التي نعرفها، أصبح فهمنا للحياة ولأنفسنا أكثر تشويشاً.
لقد تحول الإنسان المعاصر إلى كائن يستهلك البيانات، دون أن يملك القدرة على استيعابها بعمق، وأصبح الفارق بين «المعرفة» و«الفهم» أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. المعرفة أصبحت سطحية وسريعة، بينما الفهم يحتاج إلى تأمل وعمق لم يعد لدى الإنسان المعاصر وقت له.
إنه يعيش في عالم من التنبيهات المتواصلة، الإشعارات الرقمية، والضغوط المتزايدة، مما يجعله يركض في دائرة لا نهائية من التفاعل السريع، دون أن يتوقف للحظة ليطرح السؤال الجوهري: «من أنا؟». في الماضي، كان الإنسان مجهولاً لأنه لم يمتلك الأدوات الكافية لمعرفة ذاته، أما اليوم فهو مجهول لأنه غارق في ضوضاء المعلومات التي تشتت وعيه بدلاً من أن تنيره. التكنولوجيا، التي وُعدنا بأنها ستجعلنا أكثر فهماً لأنفسنا، تحولت إلى مرآة مشوشة تعكس صوراً غير حقيقية عن الذات.
نحن نعيش في عصر الذات المُصنعة رقمياً، حيث تعيد وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل شخصياتنا بطريقة تجعلنا أسرى للصورة التي نرغب في تقديمها للعالم، لا لما نحن عليه فعلاً. لم يعد الإنسان يعرف نفسه، بل يعرف فقط كيف يجب أن يظهر للآخرين، وفقاً للمعايير التي يفرضها العالم الافتراضي الذي يطغى على الواقع. لكن هل الإنسان المجهول اليوم هو ذاته الإنسان المجهول في زمن كاريل؟
بالتأكيد هناك اختلاف، لكنه اختلاف في الشكل أكثر منه في الجوهر. في الثلاثينيات، كان الجهل بالذات ناتجاً عن محدودية العلم، أما اليوم فهو ناتج عن طغيان العلم والتكنولوجيا لدرجة جعلت الإنسان يفقد قدرتَه على رؤية الصورة الكاملة. في الماضي، كان الإنسان يجهل تركيبته البيولوجية والنفسية، أما اليوم فهو يعرفها، لكنه لا يعرف كيف يستخدم هذه المعرفة لصالحه.
العلم كشف عن أسرار الدماغ، لكنه لم يستطع أن يمنع الإنسان من الوقوع في فخ القلق والاكتئاب والاغتراب النفسي. نحن نعرف أكثر عن الجينات، لكننا لم نحسم السؤال الأخلاقي حول تعديلها. نحن نفهم كيفية عمل أدمغتنا، لكننا لا نعرف كيف نحميها من التلاعب المعلوماتي الذي تتعرض له يومياً. وهكذا، يبدو أن المشكلة ليست في نقص المعرفة، بل في سوء استخدامها.
الإنسان اليوم يعرف أنه متحيز، لكنه يستمر في اتخاذ قراراته بناءً على تحيزاته. يعرف أنه يخضع للتلاعب النفسي عبر الإعلام، لكنه لا يستطيع مقاومة تأثيره. يعرف أن الإفراط في استخدام التكنولوجيا قد يسبب له عزلة نفسية، لكنه لا يستطيع الانفصال عنها. وكأنما المعرفة التي كنا نبحث عنها لعقود لم تمنحنا التحررَ، بل زادت مِن تعقيد قيودنا. لقد أصبح الإنسان المجهول أكثر غموضاً لأنه فقد مركزية ذاته في عالم يفرض عليه تعريفات متغيرة باستمرار.
في السابق، كانت الهوية تعتمد على الانتماء إلى وطن أو ثقافة أو دين أو مجموعة اجتماعية معينة، أما اليوم فقد تآكلت هذه الروابط التقليدية لصالح هويات جديدة متحركة لا تستقر على حال. نحن نعيش في عالم، حيث الفرد يمكنه أن يعيد تشكيل ذاته باستمرار، لكنه في الوقت ذاته يعاني من ضياع المعنى وسط هذا الكم الهائل من الخيارات. لم يعد الإنسان مجهولاً بسبب جهله، بل بسبب غياب يقين ثابت في عالم سريع التغير. هذا الغموض لم يعد يقتصر على الجوانب الفلسفية والنفسية للإنسان، بل امتد ليشمل حتى جسده. البيوتكنولوجيات الحديثة، التعديلات الجينية، وزرع الأعضاء.. إلخ، كلها أعادت تعريف مفهوم الإنسان البيولوجي. لم يعد الجسد كياناً ثابتاً، بل مشروع مفتوح للتعديل والتحسين. لكن في ظل هذا التحول، يواجه الإنسان معضلةً جديدة: إذا كنا قادرين على تعديل أنفسنا، فأين يتوقف التطوير؟ وأين يبدأ التشويه؟
هل الإنسان المجهول اليوم هو الذي لم يفهم ذاتَه، أم هو ذاك الذي لم يعد يعرف أين تنتهي حدوده البيولوجية والنفسية؟لقد حذر كاريل من أن الإنسان، إذا لم يطور نفسه أخلاقياً وروحياً، فسيجد نفسَه في مأزق وجودي رغم كل التقدم العلمي. واليوم، نجد أنفسَنا في هذا المأزق بالضبط. التكنولوجيا جعلتنا أكثر قوةً، لكنها لم تجعلنا أكثر حكمةً.
الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يحلل شخصياتنا بشكل أدق منا، لكنه لا يستطيع أن يمنحنا هدفاً للحياة. نحن نعيش في عالم، حيث العلم يطرح أسئلة كان يُنظر إليها يوماً ما على أنها فلسفية بحتة، مثل: ما هو الوعي؟ هل الإرادة الحرة مجرد وهم؟ هل يمكن للعقل البشري أن يُحاكى رقمياً؟ لكن بينما يواصل العلم تقدمه، يبقى السؤال الأهم معلقاً دون إجابة: ماذا يعني أن نكون بشراً في هذا العصر؟
في ظل هذه التحولات، يبدو أن الإنسان لم يعد مجهولاً لنفسه فقط، بل حتى لمجتمعه. فالعلاقات الاجتماعية التي كانت تستند إلى التفاعل المباشر، تحولت إلى تواصل رقمي يجعل الإنسان أكثر انفصالاً عن الآخرين. لقد خلق العالم الحديث شعوراً جديداً بالعزلة، عزلة وسط الزحام، حيث يكون الفرد محاطاً بآلاف «الأصدقاء» الرقميين، لكنه يفتقد إلى علاقة إنسانية حقيقية تمنحه الشعورَ بالانتماء.
نحن نعيش في زمن، حيث المعلومات متاحة بضغطة زر، لكن الفهم الحقيقي يتطلب صبراً لم يعد الناس يملكونه. والسؤال الذي يطرح نفسَه الآن هو: هل لا يزال بإمكان الإنسان استعادة ذاته؟ هل يستطيع وسط هذا الضجيج أن يجد لحظة صمت يتأمل فيها حقيقة وجوده، أم أن التكنولوجيا ستستمر في إعادة تشكيله حتى يصبح مجهولاً حتى لنفسه؟
ربما يكون الحل في العودة إلى الحكمة القديمة التي كانت ترى أن الإنسان ليس مجرد آلة بيولوجية، بل كيان متكامل يحتاج إلى التوازن بين العقل والجسد والروح. فمن دون هذا التوازن، سيظل الإنسان، رغم كل التقدم، ذلك المجهول الذي يسير في الظلام دون أن يعرف إلى أين يقوده الطريق.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة