في زمنٍ باتت فيه الصورة تتحدث بصوت أعلى من الكلمة، وتُصاغ فيه القناعات من خلال مقطع قصير أو لقطة عابرة، يواجه الإنسان العربي والمسلم تحدياً وجودياً في الحفاظ على هويته، وتقديمها للأجيال القادمة والعالم بشكلٍ مشرّف. لم يعد بناء الوعي يمر فقط عبر المدرسة أو المسجد أو الأسرة، بل أصبحت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي المصنع الحقيقي للأفكار والانطباعات. وهنا مكمن الخطر، ومصدر الأمل في آنٍ واحد.

فحين نغيب عن هذه المساحات، تملأها صورٌ مشوهة تُقدَّم عنّاً دون إذنٍ منا، تحكي عنا بلسانٍ لا يُشبهنا، وتُصدّر لأبنائنا والعالم روايات زائفة عن الإسلام، والعروبة، والأسرة، والمرأة، وحتى عن التاريخ. لكننا لا نفتقر إلى المحتوى، بل إلى رؤية إعلامية حضارية تملك الشجاعة لتعيد تقديم هويتنا بلغة العصر، وبأدوات تحترم عقل المتلقي، وتُلامس وجدانه. لقد تم صرف مبالغ طائلة في إنتاج عشرات المسلسلات التي لا تمُتّ إلى ديننا ولا قيمنا ولا أعرافنا بأي صلة، بل على العكس، كانت هذه الأعمال – للأسف – تُكرّس ما أراده الإعلام الموجّه من تشويه، تحت ستار الترفيه والتجديد، دون وعي أو إدراك بحجم ما تهدمه في وعي الأسرة والمجتمع.

والأدهى من ذلك أن كثيراً من هذه الأعمال تُعرض في رمضان، شهر الطهارة والعبادة، في مفارقة محزنة تتطلب منا وقفة صريحة، وضبطاً عاجلاً للبوصلة. وفي المقابل، نجد أن المسلسلات التركية التاريخية – رغم تحيّزها القومي الواضح – مثل قيامة أرطغرل وعثمان، تحصد ملايين المشاهدات في العالم العربي. وهذا يؤكد أن الجمهور العربي متعطش لمحتوى يُشبع حاجته إلى الفخر والهوية والانتماء، حتى وإنْ جاء من غيره. فلماذا لا نقدم نحن قصصنا؟ لماذا لا نُنتج عملاً يروي سيرة صلاح الدين، أو ابن سينا، أو فاطمة الفهرية، أو عمر بن عبدالعزيز؟ لماذا لا نصوغ أعمالًا درامية تحاكي جهاد أمهاتنا، وصبر آبائنا، وإنجازات علمائنا؟ نحن نملك التاريخ… لكننا لا نروي القصة.

لقد وصل الاختراق إلى أفلام الكرتون وأفلام الأبطال الخارقين من خلال محاولات غرس ثقافات تُربك الهوية. لقد آن الأوان لنستفيق من هذا السُّبات الإعلامي. لم يعد الصمت خياراً، ولا التبرير كافياً. نحن نواجه معركة وعي ناعمة، لكنها شرسة.

ولابد أن نخوضها بإعلام قوي، راقٍ، مدروس، يحترم مبادئنا ويخاطب أبناءنا بلغة يفهمونها ويثقون بها. في زمن الصورة، إمّا أن تحكي قصتك بنفسك، أو يحكيها الآخر عنك. وبين الصورتين، فارقٌ كبير.

*لواء ركن طيار متقاعد