في خضم الاضطرابات العالمية الناجمة عن الرسوم الجمركية الشاملة، التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يسعى العديد من الدول إلى إنشاء روابط تجارية جديدة.
كادت هذه الرسوم تؤدي إلى حرب تجارية، وأثارت حالة من عدم اليقين، بشأن مستقبل التجارة العالمية. فبينما تحاول بعض الدول التفاوض مع الولايات المتحدة بشكل منفرد، تسعى في الوقت ذاته إلى بناء روابط تجارية جديدة دون الاعتماد على الولايات المتحدة. وهذا ينطبق على قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) التي عُقدت في كوالالمبور الأسبوع الماضي. للمرة الأولى، عقدت مجموعة «آسيان»، التي تضم إندونيسيا وسنغافورة وماليزيا وتايلاند وفيتنام والفلبين وبروناي وكمبوديا ولاوس وميانمار، قمة مشتركة مع الصين، وست دول من مجلس التعاون الخليجي، حيث تعهّدت المناطق الثلاث بتعميق الاستثمار والتجارة الثلاثية، وذلك في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي. واتفقوا على «رسم مسار موحّد وجماعي نحو مستقبل سلمي ومزدهر وعادل».
لقد تضررت دول آسيان، التي تعتمد على التصدير، بشدة من الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة. حيث بلغت نسبة الرسوم الجمركية الأميركية المتبادلة على كمبوديا 49%، وعلى فيتنام 46%، وعلى تايلاند 36%.
وفي ظل هذه الظروف، تسعى دول رابطة «آسيان» أيضاً إلى البحث عن أسواق جديدة لمنتجاتها للتخفيف من تأثير الرسوم الجمركية الأميركية في حال فشلت في التوصل إلى اتفاق مع إدارة ترامب. وشملت دول مجلس التعاون الخليجي البحرين والكويت وسلطنة عُمان وقطر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وقد اتفقت الدول على تعزيز التجارة الحرة، مشيرة إلى أنها ستعمل على «الانتهاء المبكر من مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين مجلس التعاون الخليجي والصين» وتطوير منطقة التجارة الحرة بين الصين و«آسيان».
وأكد رئيس الوزراء الصيني «لي تشيانج» أن بلاده حريصة على «التعاون مع آسيان ومجلس التعاون الخليجي لتحقيق تكامل يعزّز المصالح المشتركة». اكتسبت هذه الخطوات أهمية خاصة في ظل الاضطرابات، التي تسببت فيها الرسوم الجمركية الأميركية المتبادلة. فقد اندلعت حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين، يُتوقع أن يكون لها تأثير واسع النطاق على المناخ الاقتصادي العالمي. واتهمت الصين الولايات المتحدة بخرق الهدنة التجارية التي تم التوصل إليها الشهر الماضي، وصرحت بأنها ستتخذ إجراءات صارمة.
في وقت سابق، اتفقت الدولتان على خفض الرسوم الجمركية على السلع، لكن الصين ذكرت أن الولايات المتحدة أخلّت بهذا الاتفاق. ومن جانبها، اتهمت الولايات المتحدة الصين بانتهاك الاتفاق لعدم إزالتها الحواجز غير الجمركية كما تم الاتفاق عليه. وبموجب الاتفاق المبرم بين البلدين، خفّضت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على السلع الصينية من 145% إلى 30%، بينما خفضت الصين الرسوم الانتقامية على السلع الأميركية من 125% إلى 10%. ويؤكد الجدل القائم بشأن الرسوم الجمركية مدى هشاشة ذلك الاتفاق. وفي هذا السياق، تعمل الدول على إبرام اتفاقيات تجارة حرة فيما بينها دون مشاركة الولايات المتحدة، فيما يُعتبر تحولاً في خريطة التجارة العالمية.
وذكر بيان مشترك بعد قمة كوالالمبور أن «الدول ستعزز التجارة الحرة، وترحب بالانتهاء الكامل من مفاوضات ترقية منطقة التجارة الحرة بين الصين وآسيان إلى النسخة 3.0، وتتطلع إلى التوقيع المبكر عليها وتنفيذها، وكذلك إلى الانتهاء المبكر من مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ومجلس التعاون الخليجي». وأشار رئيس وزراء ماليزيا «أنور إبراهيم»، في حديثه عن الإمكانات بين آسيان ومجلس التعاون الخليجي والصين، إلى أن الناتج المحلي الإجمالي المشترك لجميع الدول المشاركة يتجاوز 25 تريليون دولار، ويشمل سوقاً يضم أكثر من ملياري شخص.
وهو ما يبرز «الفرص الهائلة لتكامل الأسواق وتعميق الابتكار وتعزيز الاستثمارات بين المناطق». وتشهد الروابط بين دول آسيان ودول مجلس التعاون الخليجي نمواً متزايداً، مما يشير إلى الإمكانات الكبيرة بين المنطقتين. فكل مجموعة تمتلك مقومات اقتصادية هائلة. ويُعد مجلس التعاون الخليجي الشريك التجاري السابع لآسيان، حيث بلغ إجمالي التجارة بينهما 130.7 مليار دولار في عام 2023.
وهذا يشير أيضاً إلى أنه في ظل الخلاف الجمركي بين الولايات المتحدة والصين، تتطلع الدول إلى تعزيز تعاونها مع الصين، التي تُعد ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وبحسب موقع «تريدينج إيكونوميكس»، من المتوقع أن يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في عام 2025 نحو 30.51 تريليون دولار، بينما يُقدر نظيره الصيني بـ19.23 تريليون دولار. لذا، ليس هناك شك في أن الدول ستتجه نحو الصين. وفي بيانهم المشترك، تعهّدت الدول بتعزيز التعاون الاقتصادي من خلال الاستفادة من التكامل بين «آسيان» والصين ومجلس التعاون الخليجي. كما تم التأكيد في القمة على الدور المركزي والضروري لمنظمة التجارة العالمية في صلب النظام التجاري المتعدد الأطراف القائم على القواعد.
وتم الاتفاق أيضاً على تعزيز مرونة سلاسل التوريد الصناعية، وتشجيع ممارسات التجارة المستدامة، واستكشاف إمكانية إنشاء مجلس أعمال إقليمي لتسهيل الحوار بين الشركات في آسيان والصين ومجلس التعاون الخليجي لدعم تدفقات التجارة والاستثمار. كل ذلك يشير إلى أن خريطة التجارة العالمية آخذة في التغير، نتيجةً لتزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي. ويتم حالياً تشكيل روابط جديدة.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي