تجذبُنا التطورات التكنولوجية إلى مسارات لم نتخيَّلها منذ سنوات قريبة، وبتطورها المتسارع تأخذنا إلى طفرات حقيقية في مجالات متعدّدة، كالروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بتكيّفها مع العصر الجديد، وإمكانيّاتها الهائلة في مساعدة الإنسان، ولهذا قد نجدها في الصناعة والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية، بأداء قد يتجاوز القدرات البشرية في أداء بعض المهام، ويمكن في وقت قريب التصرف كالبشر، حتى من النواحي العاطفية.
وترجع سرعة تطور الروبوتات الذكية إلى التحسين التكنولوجي في أجهزة الاستشعار والمعالجات والمكونات الميكانيكية، إذ أضحت الروبوتات قادرةً على الحركة في المناطق عالية الدقة، دون الحاجة إلى بنية أمان حولها، بل يمكنها استشعار المخاطر المحتملة في الوقت الفعلي، وإدراك تفاصيل البيئة المحيطة.
وفي الأساس صُمّمت الروبوتات للقيام بمهام محدَّدة في الحياة اليومية، إذ يمكن استخدامها في الفنادق والمستشفيات، أو في تجارة التجزئة عبر الإنترنت، وأحياناً كان الهدف من ورائها تغطية نقص في العمال البشريين، أو حاجة خاصة بالكفاءة، خصوصاً في المهام المعقّدة أو الخطرة. وبمساعدة الخوارزميات الحديثة والبيانات يمكن للروبوتات الذكية معالجة القصور، عبر التعلّم الآلي، والتعلّم العميق، والشبكات العصبية المعقدة.
ومع كل هذا التقدُّم في الروبوتات، وقدرتها على إحداث تغيير جذري في الحياة والاقتصاد، والتوقعات بأننا على وشَك دخول عصر الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، سيظهر أمامنا، ربّما في وقت قريب، اختبار لمدى فاعلية التعاون بين البشر والذكاء الاصطناعي لتحقيق فائدة للجميع، وقد تُعَدّ الروبوتات نقطة تحوُّل في الاقتصاد، إذ تَبرُز الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي كأحد أكبر الإنجازات التكنولوجية في العصر الحديث، بتغلغلها في مجالات غير متوقعة، وهنا تبرز مشكلات أخلاقية، واقتصادية، واجتماعية.
إن توظيف الروبوتات الذكية في الصناعات والخدمات العامة خطوة تتّجه إليها كثير من المؤسّسات والدول لتعزيز الكفاءة والإنتاجية، وسط تزايد الحاجة لسدّ الفجوات في القوى العاملة البشرية، ولذا، هناك مخاوف من فقدان الوظائف الذي قد ينجم عن الأتمتة، واستبدال الإنسان بروبوت بشري مدعوم بالذكاء الاصطناعي.
ومع ظهور وظائف جديدة تقنية، مثل البرمجة والصيانة وتحسين أنظمة الروبوت، فإن أعداد البطالة، بسبب الاعتماد على الروبوتات، قد تكون أكبر بكثير في الوظائف الجديدة. وعلى المستوى الأمني، يخلق زيادة عدد الروبوتات في العمل تحديات أمنية، وإذا لم تستطع الشركات المنتِجة للروبوتات الذكية امتلاك القدرة على الحماية الأمنية والسيبرانية، فإن الثقة بمثل هذه التقنيات قد تتضرّر.
ومن ناحية أخرى، ألقى حادث انتحار الروبوت في كوريا الجنوبية، بسبب ساعات العمل الطويلة، الضوءَ على مدى تعقيد التحديات، وهذا يعني أن الروبوتات لا تزال تُواجه مشكلات في التفاعل مع البيئات البشرية، وربّما تحتاج إلى تطوير قدرات أفضل في التعرّف على العواطف، وفهم السياقات الاجتماعية.
وتسيطر الصين على أكثر من نصف حجم صناعة الروبوتات العالمية، وتستخدم الروبوتات البشرية في مجموعة واسعة من التطبيقات، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم والترفيه، وتتزايد المخاطر من مدى قدرة البشر على السيطرة على الروبوتات الذكية، خصوصاً إذا أصبحت أكثر ذكاء ومهارة من البشر في العديد من المهام، ولا سيّما مع ترجيح مجموعة «سيتي غروب» إنتاج 1.3 مليار روبوت ذكاء اصطناعي على مستوى العالم بحلول عام 2035، و4 مليارات روبوت بحلول عام 2050. وقد تُمثّل التكلفة الكبيرة للروبوتات الذكية عائقاً أمام انتشارها، وبالرغم من الفوائد المحتملة للروبوتات في الاقتصاد والحياة، مثل تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف، فإن فقدان الوظائف يبقى مصدراً للقلق، كما أن التحوُّل نحو الأتمتة قد يؤدي إلى توسيع الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، حيث قد تستفيد الشركات العملاقة من التكنولوجيا الجديدة، بينما تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة صعوبات في التكيف مع التطور التقني لأنظمة الروبوتات.
إن الروبوتات صارت حقيقة واقعة، وسيزداد الاعتماد عليها أكثر فأكثر في المستقبل، وعلينا التأقلم مع التغير، عبر استراتيجيات فاعلة، لضمان الاستخدام المسؤول والعادل لهذه التقنيات، وهناك حاجة مُلحّة لوضع إطار قانوني ينظّم استخدام الروبوتات والذكاء الاصطناعي، ما يضمَن حماية حقوق الأفراد.
وعبر التوازن يمكن الاستفادة من التكنولوجيا المتطورة والحدّ من مخاطرها المحتملة، وذلك باستعدادنا للتعامل مع الآثار الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية لتطور الروبوتات الذكية.
باحثة رئيسية – مديرة إدارة البحوث-مركز تريندز للبحوث والاستشارات