لديّ العديد من الأصدقاء «الديمقراطيين» الذين يشعرون بخيبة أمل شديدة تجاه قادة حزبهم. يقولون: إن الحزب «الديمقراطي» حالياً بلا دفة قيادة، ضعيف، سلبي، ويفتقر إلى رسالة قوية وجذابة. ما أود قوله لهم هو: «المشكلة ليست في قادة الحزب. المشكلة فيكم أنتم. أنتم لا تدركون حجم التحول التاريخي الذي نمر به. تظنون أن «الديمقراطيين» يمكنهم حل مشاكلهم برسالة جديدة أو زعيم جديد. لكن التحدي الحقيقي هو أنه على «الديمقراطيين» التكيف مع حقبة تاريخية جديدة. وهذا ليس شيئاً يستطيع السياسيون العاملون، المنشغلون بجمع التبرعات والتفكير في الانتخابات المقبلة، إنجازه. هذا يتطلب وجود أصحاب رؤية وأشخاص مستعدين لتغيير نظرتهم للعالم بالكامل».
لم نشهد عبر القرن والنصف الماضي سوى عدد قليل من الحركات السياسية التي غيرت العالم: الحركة الشمولية، التي أدت إلى الثورات الشيوعية في أماكن مثل روسيا والصين والانقلابات الفاشية في ألمانيا، حركة دولة الرفاه، التي أدت في الولايات المتحدة إلى الصفقة الجديدة، وحركة التحرير، التي بدأت منذ الستينيات وقادت إلى مناهضة الاستعمار، وحركة الحقوق المدنية، والنسوية، وحركة الليبرالية الاقتصادية، التي أدت إلى صعود رونالد ريجان، ومارجريت تاتشر، وفي سياقاتهما، دنج شياو بينج وميخائيل جورباتشوف، وأخيراً، حركة الشعبوية العالمية، التي أدت إلى ظهور دونالد ترامب، وفيكتور أوربان، والبريكست.
انطلقت حركة الشعبوية العالمية في أوائل العقد الثاني من القرن الـ 21، وكانت مدفوعة بشعور شامل بانعدام الثقة الاجتماعية، وقناعة راسخة بأن الأنظمة الاجتماعية فاسدة، ومنحازة، وشريرة.
لقد تكيف «الجمهوريون» مع هذا التحول في المزاج العام بشكل أكثر فاعلية من «الديمقراطيين». فترامب يروي قصة واضحة: النخب تدمر أميركا. لقد حوّل حزباً يدعم التجارة الحرة إلى حزب حمائي، وحزباً أممياً إلى حزب انعزالي. ومؤخراً، جمع «جورج ف. ويل» (كاتب ومعلق سياسي أميركي ليبرالي محافظ) قائمة بجميع الطرق التي يبتعد بها ترامب عن العقيدة المحافظة ويتصرف ويفكر بطريقة تخالف ما كان عليه «الجمهوريون» في عهد الليبرالية الاقتصادية المحافظة. وفيما يلي قائمة تحولات ترامب، والتي تستحق الاقتباس بالكامل:
مكافحة الوعي الزائف لدى المواطنين من خلال تغلغل الحكومة في المجتمع ومؤسساته الثقافية، والثقة في قدرة الحكومة على توقع عواقب تدخلاتها الواسعة في تعقيدات المجتمع الحديث والسيطرة عليها، واستخدام السياسات الصناعية لاختيار الرابحين والخاسرين اقتصادياً، باعتبار أن المستقبل واضح ويمكن للحكومة أن تعرف أي المشاريع يجب أن تزدهر، والتخطيط المركزي لتطور مناطق البلاد وقطاعات الاقتصاد، وخاصة التصنيع. ودمج الحكم وبناء الحزب من خلال تشكيل تحالفات مع فئات تعتمد على الحكومة، كما فعلت الصفقة الجديدة مع المسنين، والعمال، والمزارعين. ورفض تبسيط الضرائب من منظور محافظ قائم على النمو - أي خفض المعدلات بإزالة التفضيلات الضريبية - واستخدام الضرائب (بما في ذلك الرسوم الجمركية) كأدوات للهندسة الاجتماعية، والاقتراض اللامحدود من أجيال المستقبل لتمويل استهلاك الأميركيين الحاليين لخدمات وسلع الحكومة، وترسيخ سلطة الرئيس من خلال الأوامر التنفيذية لتهميش الكونجرس، وتأييد الأغلبية المطلقة دون قيود، ومن ثم معارضة المماطلة في مجلس الشيوخ.
لقد استغل ترامب أجواء الاغتراب، وضخّمها برؤيته الكارثية، وهاجم مؤسسات المجتمع، وأنشأ حكومة ثورية. وهو يُغيّر الظروف التي نعيش فيها، أكثر من أي وقت مضى، هذه الفترة.
العديد من أصدقائي «الديمقراطيين» لم يستوعبوا بعد حجم هذا التحول التاريخي. وما زالوا يفكرون ضمن أطر كلينتون-أوباما-بايدن-بيلوسي. لكن لديّ شعور بأن أحداث السنوات القادمة ستدفع «الديمقراطيين» إلى مسار جديد كلياً.
إذا كنت تعتقد أن مهمة «الديمقراطيين» الآن هي تقديم سياسات جديدة تجذب الطبقة العاملة، فأنت تفكر بشكل محدود جداً. القضية ليست سياسات. على الديمقراطيين أن يفعلوا ما فعله ترامب: أن ينشئوا هوية حزبية جديدة، وأن يقدّموا إجابة واضحة عن السؤال: ما المشكلة المركزية في عصرنا؟ عليهم أن يبتكروا سرداً كبيراً جديداً.
التحدي الأساسي الأول أمام «الديمقراطيين» هو أننا نعيش في عصر معادٍ للمؤسسات، و«الديمقراطيون» يهيمنون على المؤسسات - الجامعات، الإعلام، هوليوود، المؤسسات الخيرية، نقابات المعلمين، الخدمة المدنية، وغيرها. والتحدي الثاني هو أننا نعيش في عصر نشأ فيه انقسام طبقي بين النخبة المتعلمة وبقية المجتمع، والديمقراطيون هم حزب النخبة المتعلمة.
في الآونة الأخيرة، جادل الديمقراطيون حول ما إذا كان يجب استخدام كلمة «الأوليجارشية» لمهاجمة الجمهوريين. إنهم محاصرون داخل سردياتهم القديمة لدرجة أنهم - على ما يبدو - غير مدركين أنهم بالنسبة للكثيرين، هم الأوليجارشية.
إذا كان بإمكاني أن أقدّم للديمقراطيين فكرتين مع بدء عملية التجديد، فالأولى ستكون: النخبوية الثقافية أشد قمعاً من النخبوية الاقتصادية. لقد أوحى عصر دولة الرفاه للديمقراطيين بإمكانية حل كل شيء بتمويل يُضخ عبر برنامج فيدرالي. لكن العصر الشعبوي مدفوع بالاستياء الاجتماعي أكثر من الندرة الاقتصادية.
إذا لم يستطع الديمقراطيون، والنخبة المتعلمة عموماً، أن يغيّروا قيمهم ومواقفهم الثقافية، فأنا أشك في أن أي مجموعة من السياسات الاقتصادية ستفيدهم.
الفكرة الثانية هي: انتبهوا إلى دوايت أيزنهاور، كان أيزنهاور رئيساً «جمهورياً» في خضم عصر دولة الرفاهية. قال ببساطة: سأؤيد الشكل الأساسي للصفقة الجديدة، لكنني سأحقق هذه الغايات بشكل أكثر عقلانية. يمكنكم الوثوق بي. بالنسبة للديمقراطيين اليوم، هذا يعني: إذا كان الناس، عن حق، لا يثقون بمؤسسات النظام، وأنتم حزب مؤسسات النظام، فعليكم أن تكونوا حزب الإصلاح الشامل. عليكم أن تقولوا إن ترامب يهاجم المؤسسات بشدة، ونحن نؤيد التغيير الفعال للمؤسسات. هل تعتقد حقاً أن السياسيين المحترفين سيقودون هذه التحولات الزلزالية المطلوبة؟ هذا يتطلب مثقفين، ومنظمين، وجيلاً جديداً - جميعنا. إنه عمل يمتد لعقود من الزمن، وليس مجرد دورات انتخابية.
* صحفي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»