لنفترض أن أحد سكان المريخ هبط في واشنطن قبل بضعة أسابيع، ربما بحثا عن فهمٍ أوضح لنوايا إيلون ماسك، وصادف، بطريقة ما، «الجمهوريين» في مجلس النواب وهم في طريقهم لإقرار «مشروع القانون الكبير والجميل»، الذي يخطط لمستقبل أقوى دولة على وجه الأرض، المشروع يتعلق بالضرائب والإنفاق.
لا شك أن «المريخي» كان سيندهش من المزاعم الغريبة التي أطلقها الرجال المرتدين للبدلات الرسمية، بأن هذا المشروع لن يفاقم العجز الهائل في الميزانية - وهو ادعاء لا يتعارض فقط مع مبادئ الاقتصاد الأساسية (الصالحة على الأرض كما هي على الكوكب الرابع من الشمس) بل ومع قواعد الحساب نفسها. ما كان سيصدمه حقاً، مع ذلك، هو ما كشفه الجدل حول الضرائب والإنفاق بشأن أولويات أميركا. فهذا بلد فقد شعبه سنوات من متوسط العمر المتوقع خلال العقدين الماضيين مقارنة بمواطني الدول المماثلة، وارتفع فيه معدل الانتحار بنسبة 25%، ويعيش فيه نحو واحد من كل خمسة أشخاص في فقر، ويفتقر واحد من كل 12 شخصاً إلى التأمين الصحي.
وعلاوة على ذلك، يظهر هذا البلد أكثر التوزيعات اختلالاً لثمار الازدهار بين نظرائه من أقرانه. ومع ذلك، فإن القادة السياسيين في الولايات المتحدة يخططون لتقليص التمويل المخصص للبرامج الحكومية التي تمول الرعاية الصحية والمساعدات الغذائية للفئات الأكثر ضعفاً من شعبهم. وهم يفعلون ذلك، في الغالب، من أجل خفض الضرائب التي تجمعها الحكومة من الفئات الأكثر ثراءً.
إذا لم يكن سكان الأرض في حيرةٍ كتلك التي شعر بها رائد الفضاء المريخي، فذلك فقط لأننا اعتدنا على تفضيلات أميركا، التي تجلت بوضوح من خلال محاولات متكررة على مر السنين لخفض الضرائب و«تجويع الوحش» - أي الحكومة الفيدرالية - بغض النظر عن العواقب المتعلقة بالمرض، والوفيات، والتماسك الاجتماعي. على كوكب الأرض، ربما يكون الشعور السائد هو الشعور بالاستياء.
فالولايات المتحدة، بمقاييس عديدة، هي أقوى دولة وأكثرها ازدهاراً على وجه الأرض، متربعة على قمة الابتكار، ومتفوقة باستمرار على نظيراتها من حيث النمو الاقتصادي على مدى العقود الأخيرة. ومع ذلك، فقد تحولت هذه البلاد، خلال عقد تقريباً، إلى مصدر تهديد للنظام الدولي الذي دعم نجاحها - إذ قوضت القواعد والمؤسسات التي صممتها بنفسها، وهاجمت الحلفاء الذين ساعدوا في الحفاظ على النظام الذي كانت تقوده.
لماذا؟ يعود ذلك إلى حد كبير إلى أن الشعور بالظلم بسبب التخلف عن الركب، وإقصائهم من قصة الرخاء الأميركي الشامل الذي لا مثيل له، دفع ملايين الناخبين الغاضبين إلى التخلي عن الترتيبات الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي عززت النظام الديمقراطي الليبرالي الذي بُني عليه هذا «الرخاء»، والتصويت لسياسي وعدهم بهدم كل شيء.
وفي ظل الحالة الهشة التي خلفتها هذه الثورة في العالم، قد يقترح المرء على القادة السياسيين الأميركيين أن ينفقوا بعض المال لمعالجة بعض الأسباب الموضوعية لهذا الشعور بالحرمان: مثل معدل الوفيات المبكرة المرتفع بشكل خيالي، والوفيات التي يمكن تجنبها، وانتشار الأجور المنخفضة، وارتفاع معدل وفيات الرضع، أو العنف القاتل.
سيجادل المدافعون عن «النهج الأميركي» بأن الحكومة ليست مسؤولة عن معالجة هذه الأمور: فإصلاح هذه الأمراض الاجتماعية يعتمد، في رأيهم، على تشجيع المسؤولية الشخصية (وربما قصف المكسيك). لهذا السبب، فإن إضافة متطلبات العمل إلى برنامج«ميديكيد» أمر منطقي، حتى لو أدى ذلك إلى حرمان ملايين الأميركيين من التأمين الصحي. وسيضيفون بالتأكيد أن خفض الضرائب سيعزز النمو الاقتصادي من خلال تشجيع الشركات على الاستثمار، والناس على العمل بجد وإنفاق المزيد، مما يجعل أميركا أكثر ازدهاراً. حتى لو أدى ذلك إلى حرمان ملايين الأميركيين من التأمين الصحي.
وسيضيفون بالتأكيد أن خفض الضرائب سيعزز النمو الاقتصادي من خلال تشجيع الشركات على الاستثمار، والناس على العمل بجد وإنفاق المزيد، مما يجعل أميركا أكثر ازدهاراً. وهذا يطرح السؤال: ما جدوى أن تكون الدولة الأقوى والأغنى على وجه الأرض؟ كما يعرف أهل وول ستريت، هناك مبدأ اسمه «تاكو» (TACO) -وهو اختصار لعبارة «ترامب ينسحب دائماً» عندما ترتجف سوق السندات. وسوق السندات ترتجف الآن. هذا وحده لن يحقق ازدهاراً موزعاً بعدالة، لكنه ربما يمنع ناخبي ترامب الغاضبين من الغرق أكثر في اليأس.
*كاتب متخصص في شؤون أميركا اللاتينية والاقتصاد والهجرة.
*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»