في إطار تواصل السياسة الخاصة بتمكين كبار المواطنين، تتوالى المبادرات التي تضع الإنسان في قلب أولويات التنمية، وتُواصل المؤسسات الحكومية جهودها الحثيثة لمنح كبار المواطنين المكانة التي يستحقونها، تقديراً لإسهاماتهم الرائدة في بناء الوطن، واستثماراً لخبراتهم المتراكمة في رسم مستقبل أكثر إشراقاً للأجيال القادمة.
كان كبار المواطنين من الأعمدة الرئيسية التي ساهمت في تأسيس وتطوير مجتمع الدولة على امتداد عقود مضت، فهُم حملة الذاكرة الوطنية، وصنّاع التحولات الكبرى في مسيرة الدولة. ومع مرور الوقت وتقدُّم العمر، تتغير الاحتياجات وتزداد التحديات، مما يتطلب بيئة داعمة تكفل لهم الحياة الكريمة، وتلبّي تطلعاتهم الصحية والاجتماعية والنفسية. وهنا تبرز جهود الجهات المعنية في الدولة، التي لم تكتفِ بتوفير الخدمات، بل عملت على تطويرها باستمرار، وفق رؤية عصرية تستجيب لتطلعات كبار المواطنين أنفسهم.
وفي هذا السياق، أطلقت «مؤسسة التنمية الأسرية» سلسلة من الملتقيات الحوارية التفاعلية لعام 2025، والموجّهة خصيصاً لفئة كبار المواطنين، في خطوة تجسِّد النهج الإنساني والاجتماعي الذي تتبناه الدولة، وتعكس التزامها بتمكينهم من التعبير عن تطلعاتهم واحتياجاتهم، والمشاركة الفاعلة في تصميم ملامح السياسات والخدمات الاجتماعية التي تمس حياتهم.
لا تمثّل المبادرة الجديدة التي أطلقتها «مؤسسة التنمية الأسرية» مجرد فعاليات عابرة، بل هي جزء من رؤية استراتيجية طموحة، تهدف إلى تطوير نموذج اجتماعي أكثر شمولاً وتأثيراً، يستند إلى مبدأ الشراكة لا الرعاية. إذ تتيح هذه المبادرة لكبار المواطنين فرصة حقيقية للمساهمة في صياغة البرامج والخدمات التي تواكب احتياجاتهم وتعزز رفاهيتهم ودورهم في حياتهم الاجتماعية.
والمبادرات التي تتبناها دولة الإمارات لكبار المواطنين تمثّل نقلة نوعية في السياسات الاجتماعية، وتعكس النضج الذي بلغته التجربة الإماراتية في التعاطي مع مختلف الفئات العمرية. ووفق النموذج الإماراتي الفريد، فإن التقدم في العمر ليس إلا إيذانًا بدخول مرحلة جديدة من العطاء والخبرة، يُستفاد فيها من كبار المواطنين بصفتهم أصحاب رأي وتجربة ومكانة.
وتولي دولة الإمارات فئة كبار المواطنين مكانة محورية في المجتمع، تقديراً لدورهم الممتد في بناء الوطن وإسهاماتهم المتواصلة في مسيرته التنموية. وانطلاقاً من هذه الرؤية، أطلقت سلسلة من المبادرات المتكاملة التي تهدف إلى تمكين كبار المواطنين، وتعزيز جودة حياتهم، وضمان مشاركتهم الفاعلة في النسيج الاجتماعي.
في مايو 2025، أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مبادرة «بركتنا» ضمن منظومة أبوظبي للرعاية المجتمعية الشاملة، بهدف الارتقاء بجودة حياة كبار المواطنين وضمان رفاهيتهم. وتركّز المبادرة على ترسيخ الروابط الأسرية، وتطوير منظومة خدمات مجتمعية متكاملة تسهم في تخفيف الأعباء الحياتية وتعزز قدرة الأفراد على رعاية كبار السن في بيئة أسرية مستقرة وصحية.
وعليه، فإن ما تقدمه دولة الإمارات اليوم لا يقتصر على تحسين مؤشرات الحياة للأفراد فقط، بل يرسّخ ثقافة اجتماعية جديدة، قوامها التقدير والاحترام والتكامل بين الأجيال. فكل جيل يحمل شعلة لمن بعده، في دورة متواصلة من البناء المشترك. ومن هنا، تبرز تجربة الدولة في رعاية كبار المواطنين كنموذج ملهم يُحتذى به في العالم العربي.
وتدرك دولة الإمارات أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان بكل مراحله الحياتية. فالطفل، والشاب، والمرأة، وكبار المواطنين، جميعهم شركاء فاعلون في مسيرة التنمية، ولكل منهم خصوصية تستدعي إشراكه في تصميم الحلول التي تمس حياته. وهذا التوجه التشاركي يعكس نضجاً إدارياً وإنسانياً متقدّماً، يتجلى بوضوح في السياسات والبرامج التي تنفذها الدولة.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الملتقيات الحوارية التفاعلية لعام 2025 إلا بوصفها محطة مفصلية في مسار التنمية الاجتماعية، فهي ليست مجرد أداة لإيصال الصوت، بل منصة لتأسيس حوار مجتمعي متكامل، تُبنى عليه منظومات خدمية تراعي كرامة الإنسان، وتعزز انتماءه.
إن تكريم كبار المواطنين لا يتحقق بالكلمات أو الجوائز، بل بإتاحة المجال لهم ليكونوا فاعلين، ومؤثرين، وشركاء حقيقيين في صياغة الحاضر والمستقبل. وهذا ما تفعله دولة الإمارات اليوم، فهي تكتب فصلًا جديدًا في مسيرتها التنموية، عنوانه «الإنسان أولاً... ودائماً».
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.