في مواجهة واحدة من أكثر الأزمات البيئية إلحاحاً في القرن الحادي والعشرين، يتعاظم الحديث عن التصحر والجفاف بوصفهما تهديدين مباشرين للأمن الغذائي والمائي، واستدامة الموارد الطبيعية، واستقرار المجتمعات البشرية. وبالنظر إلى تداعيات التغير المناخي والنمو السكاني المطرد، باتت هذه الظواهر الطبيعية ذات الطابع المتفاقم تمثل تحدياً عالمياً يتطلب استجابات منهجية وشاملة.وفي هذا السياق، يأتي إحياء اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف في 17 يونيو من كل عام كدعوة لتحفيز الوعي الدولي والعمل الجماعي للتصدي لهذه الظواهر، غير أن التوعية وحدها لا تكفي، وهو ما تدركه دولة الإمارات العربية المتحدة جيداً، لتنتقل من مرحلة التحذير إلى مرحلة المبادرة، ومن رصد الظاهرة إلى قيادتها في سياق بيئتها الصحراوية ومحدودية مواردها المائية.
ما يميز التجربة الإماراتية في هذا الإطار، هو أنها لا ترى في التصحر مجرد كارثة بيئية، بل تعتبره فرصة لتحفيز الابتكار، وإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والطبيعة. وقد تُرجمت هذه الرؤية إلى الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التصحر 2030، التي أطلقتها وزارة التغير المناخي والبيئة، وتشمل 33 مبادرة متكاملة موزعة على خمسة محاور رئيسة.
وتسعى هذه الاستراتيجية إلى رفع كفاءة نظم الإنتاج المحلية بنسبة 40%، وإعادة تأهيل واستعادة ما لا يقل عن 80% من الأراضي المتدهورة حسب الاقتضاء، رفع كفاءة استهلاك المياه وزيادة نسبة إعادة استخدام المياه المعالجة إلى 60% بحلول عام 2030، لكنها لا تقف عند حدود الترميم البيئي، بل تتبنى منهجاً شاملاً يدمج التعليم البيئي، والتكنولوجيا، والشراكات الإقليمية والدولية، ما يعكس وعياً استراتيجياً بضرورة التعامل مع التصحر باعتباره ظاهرة متعددة الأبعاد.
وفي الوقت الذي ما تزال فيه بعض الدول ترى في التصحر تحدياً يصعب التحكم به، تستثمر الإمارات في التكنولوجيا المتقدمة وسيلة لحل هذه المشكلة بشكل فعال. ويُعد مشروع الاستمطار الاصطناعي من أبرز التجارب في هذا الصدد، حيث يعمل المركز الوطني للأرصاد على تحفيز السحب لتوليد الأمطار عبر تقنيات طائرات مأهولة وغير مأهولة.
ولا يقتصر هذا التوجه على الأمن المائي فقط، بل يمتد إلى الزراعة الذكية والمستدامة، من خلال دعم أبحاث الزراعة الملحية التي يشرف عليها المركز الدولي للزراعة الملحية. وتُظهر هذه الجهود فهماً عميقاً لأهمية الابتكار الزراعي في ظل ظروف الجفاف، وقد نقلت الإمارات هذه المعرفة إلى دول أخرى، ما رسّخ دورها مركزاً عالمياً لنقل التكنولوجيا البيئية.
ومن أبرز مظاهر الالتزام البيئي للإمارات أيضاً، مشاريع إعادة تأهيل الأراضي الصحراوية، والتي تشمل زراعة ملايين الأشجار المحلية مثل الغاف والسدر، باستخدام طائرات مسيّرة وتقنيات متقدمة، واستصلاح مساحات باستخدام المياه المعالجة. وتُعد هذه الجهود أكثر من مجرد مشاريع خضراء؛ فهي تمثل تحولاً في التفكير التنموي، حيث تُعامل البيئة كعنصر فاعل في تحسين جودة الحياة.
ولا تكتفي سياسة الإمارات بالمبادرات المحلية، بل تسعى لتكريس حضورها في الساحة الدولية البيئية. فقد شاركت بفعالية في مؤتمر الأطراف السادس عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP16) في الرياض عام 2024، حيث قدمت نموذجاً متكاملاً لإدارة الجفاف، وطرحت رؤى لتحفيز الاستثمار في مشاريع استعادة الأراضي.
وتعزز الإمارات هذا التوجه من خلال الانضمام إلى التحالف الدولي لمقاومة الجفاف، والعمل مع الأمم المتحدة على تطوير أنظمة إنذار مبكر للكوارث المناخية، بما في ذلك العواصف الترابية، وخرائط تقييم التربة. كما تستعد لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 بالشراكة مع السنغال، في خطوة ترسّخ مكانتها فاعلاً رئيساً في صياغة أجندة الاستدامة العالمية.
إن تجربة دولة الإمارات في مكافحة التصحر باتت نموذجاً عالمياً في كيفية تحويل المخاطر البيئية إلى فرص تنموية. وتجسد هذه التجربة مزيجاً فريداً من الرؤية الاستراتيجية، والابتكار التكنولوجي، والانخراط الدولي، ما يجعل الإمارات في طليعة الدول التي لا تكتفي بالتكيف مع التغيرات البيئية، بل تسهم في قيادتها نحو مستقبل أكثر استدامة للبشرية جمعاء.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.