من المفارقات الغريبة أنه في السنوات الأخيرة، أصبح اليمين القومي أفضل بكثير من اليسار «الكوزموبوليتاني» المفترض في التنظيم على المستوى الدولي. فقد أصبح مؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC) حدثاً عالمياً خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب، حيث عقد اجتماعات في إسرائيل وكوريا الجنوبية والمجر والأرجنتين، من بين دول أخرى. ويستمد المحافظون الأميركيون الإلهام من مجموعة متزايدة من القادة الدوليين، من بينهم فيكتور أوربان في المجر، وناييب بوكيلي في السلفادور، وخافيير ميلي في الأرجنتين.
يتبادل هذا «اليمين الأممي» الأفكار والنصوص، ويقدم أعضاؤه الدعم لبعضهم البعض عبر الحدود. ويمر عدد كبير من الناشطين الاستراتيجيين المحافظين الأميركيين، بمن فيهم الاستراتيجي المؤثر «كريس روفو»، عبر معهد الدانوب المجري، الموالي للحكومة، حيث يستفيدون من تجربة المجر الناجحة في استخدام الدولة في مواجهة المؤسسات الليبرالية. هذا العام، اصطف أعضاء من حركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (ماجا)، من أليكس جونز «أميركي من أتباع اليمين المتشدد»، وصولاً إلى نائب الرئيس جيه دي فانس، خلف مرشح رئاسي روماني قومي متشدد تم استبعاده بسبب تهم تتعلق بتدخل خارجي. كما نظمت هذا الأسبوع مؤسسة «وطنيون من أجل أوروبا» مؤتمراً في البرلمان الأوروبي، بمشاركة أعضاء من الحكومة الهندية اليمينية، يهدف إلى بناء تحالف يقوم على «السيادة الحضارية» - بدلاً من حقوق الإنسان العالمية. ولا يوجد ما يضاهي هذه الشبكة العالمية بين التقدميين، وهو ما يعكس الأزمة العميقة التي يمر بها اليسار.
جزء من المشكلة أن التقدميين يعانون الجمود. فعلى مدى عقود، عندما كان اليساريون يتعاونون عبر الحدود، غالباً ما كانوا يفعلون ذلك من خلال مؤسسات ليبرالية: مثل الأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية الدولية، والمؤتمرات الأكاديمية. وتُفضِّل هذه المؤسسات أنماطاً من التواصل تتسم بالتخصص الشديد والبيروقراطية. (فعلى سبيل المثال، من أجل أن تشارك مجموعات نسوية شعبية في محيط الأمم المتحدة، يتعين عليها تعلّم مصطلحات، مثل: «إدماج النوع الاجتماعي»، و«الصحة والحقوق الإنجابية»، و«أصحاب الواجب»). قال لي «أليكسيس تسيبراس»، رئيس وزراء اليونان السابق اليساري: «لقد فقدت القوى التقدمية، وقوى اليسار والاشتراكية، القدرة على التواصل مع الناس».
واليوم، تتعرض الأنظمة التي اعتمد عليها اليسار - لا سيما الأوساط الأكاديمية والمنظمات غير الربحية -لهجوم منظم. وقال الباحث «سوبير سينها»، من جامعة لندن، والذي درس الروابط بين الحركات اليمينية المتشددة في أوروبا: «اعتمد اليسار بشكل أساسي على رؤية وهمية لاستقرار المؤسسات».
ولم يتوقع التقدميون، ولم يخططوا لكيفية الإجابة على سؤال جوهري في عصرنا: «كيف تمارس السياسة عندما تتغير الأوضاع بشكل جذري؟». ومع ذلك، بدأت بعض الخطوات بهذا الاتجاه، وإن كانت متأخرة. فقد نظم تسيبراس هذا الأسبوع مؤتمرا في أثينا جمع تقدميين من أوروبا وتركيا وأميركا اللاتينية والولايات المتحدة لمناقشة أزمة الديمقراطية الليبرالية على المستوى العالمي. وكان هذا المؤتمر هو الثاني الذي ينظمه، والأول منذ إعادة انتخاب ترامب.
ومن بين المتحدثين، كان السناتور بيرني ساندرز، الذي شارك عن بُعد، وقال: «ينظم المتطرفون اليمينيون حول العالم أنفسهم بشكل فعال، وأعتقد أن الوقت قد حان لبناء حركة اشتراكية تقدمية دولية - وهذا المؤتمر خطوة في هذا الاتجاه». التحدي أمام اليسار هو في تحديد الأساس الذي ستُبنى عليه هذه الحركة. فاليمين لديه رؤية واضحة للعالم الذي يريد بناءه - وهي رؤية تبدو مثالية لمؤيديه، رغم أنها قد تبدو بائسة بالنسبة لنا.
لدى اليمين شعور بالزخم والمصير. هذا هو ما فقده التقدميون، أولاً مع سقوط الشيوعية، ثم مع تآكل الليبرالية. واحدة من الاقتباسات المفضلة التي كان الرئيس باراك أوباما يرددها للدكتور مارتن لوثر كينج الابن كانت: «قوس الكون الأخلاقي طويل، لكنه ينحني نحو العدالة».
حتى قبل عقد تقريباً، كان يبدو، على الأقل في الأوساط الكوزموبوليتانية، أن العالم يتجه حتما نحو المزيد من التنوير، والمساواة، والتكامل. لكن، خاصة بعد إعادة انتخاب ترامب، تحطم هذا التفاؤل إلى حد كبير. باستثناء بعض الحواف اليسارية التي لا تزال تؤمن بأحلام ثورية مخلصة، فإن المزاج السائد بين التقدميين يبدو مزيجاً من الحيرة واليأس.
يقول تسيبراس: «المشكلة أننا فقدنا رؤيتنا للمستقبل، وقدرتنا على إقناع الناس بأن مستقبلهم سيكون مختلفا إذا حكم التقدميون.» وأضاف: «علينا أن نناقش ذلك بصراحة». سألت تسيبراس إن كان يرى أي قائد عالمي يقدم نموذجاً قد يواجه التهديد الاستبدادي، فكان حذراً في رده. قال إنه كان عضواً في شباب الحزب الشيوعي في اليونان عندما كان صغيراً.
وبعد سقوط جدار برلين، أدرك أنه لا يمكن لمجتمع أن يكون حراً ومتساوياً من دون ديمقراطية. واليوم، يقول إن الوضع أصبح مأساويا لدرجة أنه، للأسف، «علينا أن نقاتل ليس من أجل الاشتراكية الديمقراطية، بل من أجل رأسمالية ديمقراطية» - بدلًا من الأوليجارشية والاستبداد الصاعدَين. كيف يمكن لمثل هذا المشروع أن يلفت انتباه الناس المشتت، ويتحدث إلى آمالهم الغامضة؟ هذه ستكون مهمة ضخمة ومخيفة. وهذا ما يجعل اتخاذ الخطوات الأولى، ولو كانت صغيرة، أمراً بالغ الأهمية.
*كاتبة أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»