في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق بين إيران وإسرائيل، وبعد مرور خمسة أيام على اندلاع الحرب المفتوحة بين الجانبين، بدأت تتبلور تحليلات استراتيجية جديدة تتجاوز مجرد توصيف الردود المتبادلة لتطرح سؤالاً جوهرياً: هل نشهد بداية تشكّل نظام أمني جديد في الشرق الأوسط؟ وهل يمثل الرد الإيراني نقطة تحوّل قد تُغيّر قواعد الاشتباك، وتفرض معادلات ردع جديدة لم تكن موجودة من قبل؟
تشير تقارير مراكز الدراسات الكبرى مثل مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، ومؤسسة كارنيغي والصحافة الغربية المرموقة إلى أن الضربات الإسرائيلية الأولى هدفت إلى استباق خطر متزايد، إلا أن ما تلاها من ردود إيرانية كان بمثابة صدمة استراتيجية لم تكن معظم مراكز القرار تتوقع حجمها أو دقتها.
فخلافاً لما بدا في الساعات الأولى من الحرب، حين فشلت بعض الصواريخ الإيرانية في تحقيق أهدافها أو جرى اعتراضها جوياً، أثبت الرد الإيراني الثاني قدرات عسكرية متقدمة شملت استخدام صواريخ دقيقة وطائرات مسيّرة طويلة المدى وصلت إلى العمق الإسرائيلي، وأحدثت تأثيراً نفسياً وسياسياً هائلاً. هذا الرد، بحسب تقارير «وول ستريت جورنال» و«واشنطن بوست»، كشف أن إيران لم تكن مجرد دولة راعية للميليشيات كما كان يُعتقد، بل باتت تمتلك قدرات دولة نووية على وشك الاكتمال من حيث الردع الإقليمي.
من هذا المنظور، يبدو أن إيران تعمّدت خلال الأيام الأخيرة أن تُظهِر هذه القوة بشكل منضبط ولكن مخيف، لتعيد بذلك رسم صورة ميزان القوى في الشرق الأوسط. فهي لم تردّ كرد فعل عشوائي، بل كمحاولة لإيصال رسالة استراتيجية بأن لديها القدرة على فرض تكلفة باهظة على أي دولة – وفي مقدمتها إسرائيل – تتجاوز خطوطها الحمراء.
وفي المقابل، ركّزت إسرائيل على استخدام تفوّقها الجوي والتقني لضرب مراكز حيوية في الداخل الإيراني، بما في ذلك ما يُعتقد أنه استهداف لمنشآت ومقار قريبة من الحرس الثوري، ومواقع تُنسب للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وهو ما وصفته «وول ستريت جورنال» بأنه «محاولة لضرب رأس النظام وتحييد قراره العسكري».
لكن المثير في التطورات الأخيرة أن الأهداف بدأت تتوسع من الجانبين. فوفق «واشنطن بوست»، لم تعد إسرائيل تكتفي بضربات استباقية ضد ميليشيات في سوريا أو لبنان، بل أصبحت تستهدف عمق النظام الإيراني نفسه.
وفي المقابل، لم تعد طهران تستخدم وكلاءها فقط، بل دخلت المواجهة بشكل مباشر، ما يُنذر بتصعيد خطير قد يخرج عن السيطرة. غير أن اللافت وسط كل هذه التطورات، هو ما نشرته «نيويورك تايمز» حول بقاء فرصة - ولو ضئيلة - للدبلوماسية. فهناك قنوات خلفية تحاول تهدئة الوضع، وتمنع انزلاق الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة تشمل الخليج والعراق واليمن ولبنان.
لكن نجاح هذه الجهود يعتمد على ما إذا كان الطرفان مستعدَّين لتقييد استخدام أوراق الردع القصوى، أو إذا كانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سيتدخلان بقوة لفرض خطوط حمراء جديدة. في المجمل، يبدو أن الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة. فالمعادلة القديمة التي كانت تقوم على «الردع المتبادل المحدود» قد تم كسرها.
وظهور إيران بهذا الشكل المفاجئ يعيد صياغة المشهد الأمني في المنطقة، لا سيما إذا استمر الدعم الروسي والصيني لطهران على المستويين السياسي والتكنولوجي، في حين تواجه إسرائيل تحديات داخلية تجعل من الصعب الحفاظ على استراتيجيتها الهجومية التقليدية دون دفع أثمان داخلية متزايدة. وهكذا، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيكون هذا التصعيد مجرد جولة أخرى في تاريخ الصراع الطويل، أم أنه اللحظة التي بدأ فيها الشرق الأوسط يشهد ولادة نظام أمني جديد يتجاوز ثنائية إسرائيل-إيران، نحو خريطة جديدة للصراع والتوازن؟
*لواء ركن طيار متقاعد