هل فعلاً نعيش زمن اللامعقول؟! في السودان شعب عطاشى والماء على ظهره محمول، يمر النيل به على طول مليون كيلو متر، والشعب لا يطاله! هل هذا عصر يعيش فيه السودان المعصور بالجفاف؟!
هل عجزت أرحام نساء السودان أن تلد «سوار ذهب» آخر. نورد مختصراً شديداً عن هذا «الرجل الذهب» الذي ذهب عن عالمنا، رحمه الله. نذكر موقفاً من حياته عندما كان طالباً بكلية «سانت هرست» في بريطانيا، وفي بحث التخرج أمره القائد بأن يقوم بإعداد خطة عسكرية لاحتلال «الخرطوم»، فلم يرد أمره، وبعد الانتهاء من هذا المشروع وتسليمه للقائد، استدعاه بعد المراجعة والتدقيق في تفاصيل الخطة العملية، قال له هذه خطة لاحتلال «لندن» وليس الخرطوم! فأجابه الطالب سوار الذهب: هل جُنِنت حتى أخون بلدي وأُعد خطة لاحتلاله؟!
تحدثنا من قبل عن الجهود الإنسانية الكبيرة التي قدمها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في السودان، ونصطدم بحال السودان الآن في ظل طغمة بورتسودان الحاكمة اليوم، ونقارن واقع السودان الآن بزمن جعفر النميري عندما أعلن حربه على «العطش»، والفرق في ما يحدث اليوم وذاك اليوم عظيم، لقد تجاوب الشيخ زايد مع نداء النميري، في نهاية السبعينيات من القرن الماضي وواصل عطاءه في مجال المشاريع التي كان تنفيذها ضرورة قصوى، من خلال تقديم المعونات بملايين الدولارات لحل مشكلة العطش في السودان، حيث تم حفر آبار مياه الشرب، التي أسهمت في إحداث طفرة نوعية في مختلف الأرياف السودانية البعيدة عن العاصمة.
ترى ما سر الماء في العقل الباطن للشيخ زايد، حتى يسارع الخطى في إنقاذ أهل السودان من شدة العطش؟ لمعرفة هذا السر في بعده الإنساني، نعود إلى الفترة الزمنية من حكمه لمدينة العين (1948 - 1968). لقد سقى «العين» بجهود مخلصة، وبقوة ساعديه، وذلك عندما شارك الأهالي في حفر الآبار، حتى تدفقت المياه من بين أصابع يديه، وشعر آنذاك بسعادة لا تسعها الدنيا. الماء أثمن شيء عند المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الماء شريان الحضارات الإنسانية بلا منازع، وكان الماء التحدي الأكبر الذي استطاع الشيخ زايد أن يثقب جداره بجدارة، ويحوّل العين إلى روضة غناء خلال زمن قياسي في عمر البناء الحضاري.
ظهر على السطح تجار حاولوا احتكار الماء العذب، فلجأ الناس إلى عدل الشيخ زايد لإنقاذهم من جشع التجار، فأصدر بحكمة عدله وثاقب رؤيته قرارات ثقبت براميل وتناكر المحتكرين، عندما سد هذا الباب بتشريع مجانية الماء الذي منع بيعه بالمطلق، فكم بلغت فرحة الناس آنذاك من هذا القرار المصيري. ولم يتوقف عطاء الإمارات للشعب السوداني بعد رحيل الشيخ زايد، حيث شاركت كل المؤسسات الخيرية في الدولة للتخفيف من معاناة السودانيين الذين تأثرت مناطقهم بفعل الحرب والظروف الطبيعية، لا سيما في ولايات دارفور، ما جعل السودان في مرتبة متقدمة من حيث الدول الأكثر تلقياً للمساعدات الإماراتية، بجانب الوجود القوي والمؤثر لمؤسسات وجمعيات وهيئات دولة الإمارات العاملة في السودان مثل مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، ومؤسسة خليفة بن زايد للأعمال الإنسانية والخيرية، ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال الخيرية والإنسانية، وهيئة آل مكتوم للأعمال الخيرية والإنسانية، بالإضافة لهيئة الهلال الأحمر الإماراتي وجمعية الشارقة.
وقد شاركت صناديق التنمية الإماراتية من خلال تقديم القروض والمنح من أجل توفير المشاريع الخاصة بالخدمات الضرورية والتي ظهرت نتائجها في استقرار الآلاف من الأسر السودانية في مناطقهم، بدل عمليات النزوح التي نراها تدمي الأرواح قبل القلوب، نزوح ليس بسبب العوامل الطبيعية، بل بأيدي زمرة بورتسودان مما يضاعف المأساة أضعافاً مضاعفة.
*كاتب إماراتي