كانت الكنافة فيما مضى طعاماً للخلفاء، ويعد أول من صُنعت له الكنافة، خصيصاً، هو الخليفة معاوية بن أبي سفيان في ولايته للشام كطعام للسحور في شهر رمضان. وفي أسواق المدن العربية، تتراقص حلوى الكنافة في واجهات المحال المضيئة، تزهو بلونها الذهبي وصوتها المقرمش في مقلاة السمن، وكأنها ترف اجتماعي لا يناله إلا من بلغ عتبة الرفاه.
ولكن، بعيداً عن الصورة الشعبية، هناك من لا تطاله رائحة الكنافة، لا لأن دخله لا يسمح فحسب، بل لأن فقره يتجاوز الجوع المادي إلى أعمق أنواع الفقر، وهو الفقر المعرفي والتقني.
لقد تغير مفهوم الفقر في القرن الحادي والعشرين، ولم يعد الفقر يُقاس بعدد السعرات أو الألبسة، أو الأمتار السكنية فقط، بل بات يُقاس بما لا يرى، وذلك على قرار المعرفة، والقدرة على الوصول إلى التكنولوجيا، والانخراط في اقتصاد رقمي لا يرحم من لا يملك أدواته.
فالفقر اليوم هو العجز عن امتلاك وسيلة اتصال، عدم فهم لغة الحوسبة، أو الجهل بكيفية حماية بياناتك، أو تطوير نفسك في سوق يعتمد على الذكاء الاصطناعي أكثر من العضلات.ففي عالم أصبحت فيه البرمجة لغة النخب، والتعليم المجاني مسألة نسبية، ينشأ ما يُعرف بـ «الطبقية الرقمية» التي تعمّق الفجوة بين من يمتلك المعرفة، ومن لا يمتلكها. والأخطر من الفقر المادي هو الفقر الذي يقصيك من المشاركة في الحضارة القائمة، فلا يمكنك التعلم عن بُعد، ولا التقديم على وظيفة إلكترونية، ولا حتى الاعتراض على ظلم رقمي يمارس ضدك، لأنك ببساطة لا تعرف أن هناك ظلماً. وهنا تتجلى معضلة العدالة الاجتماعية: فكيف نحقق المساواة في فرص الحياة إذا لم نعالج الفقر المعرفي؟
ففي دول يموت فيه المواطن جوعاً، والقيادات تتغنى بتقدمها في المجالات التي لا تسد جوع المواطن العادي، ولا تسكنه في منزل خاص به، ولا يجد الوظيفة التي يصرف منها على عائلته، ولا يمكنه الولوج لعالم التقنيات الباهر وكيف له من ذلك، وهو لا يملك البنية التحتية التي تجعله مواطناً رقمياً، وبهذا يكون الفقر الجديد ليس غياب المال فقط، بل غياب القدرة على التعلم، التطوير، والتكيف. هو فقر الهوية الرقمية، وفقر المهارات الناشئة، وفقر الحلم بغدٍ أفضل.
فأن تكون محروماً من روافد التغيير، تراقب من نافذة قديمة ما يحدث في مدن المستقبل دون أن تمتلك المفتاح للدخول، هو أن تُعامل كمستهلك دائم، لا كمُنتج للمعرفة، حيث إن العدالة الاجتماعية في زمن الاقتصاد المعرفي لا تتحقق فقط بإعطاء الفقير رغيفاً، بل بتمكينه من بناء مخبز في فضاء الحوسبة السحابية، ومنحه كرامة التمكين بدلاً من فتات الحد الأدنى من العيش. وهي معادلة لا تتحقق بجهود الأفراد فحسب، بل بتغيير هيكلي في البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسات التعليمية.
إن النظر إلى الفقر باعتباره جزءاً طبيعياً من بنية المجتمع – سواء باعتباره وسيلة لتحفيز العمل، أو قدراً لا مفر منه – هو طرح يتغافل عن حقيقة مركزية: الفقر، كالثروة، ليس ظاهرة طبيعية، بل بناء اجتماعي يتم إنتاجه وصيانته ضمن أنظمة تخدم مصالح فئات معينة على حساب أخرى. فالإنسان لا يولد فقيراً في المعرفة، لكنه يفقر عندما تُحتكر المعرفة، وتُصمم النظم التعليمية والاقتصادية على نحو يقصي الأكثرية.
إن الترويج للفقر كضرورة لاستمرار «توازن» المجتمع، أو لبقاء النوع البشري، لا يعدو كونه تبريراً لا أخلاقياً لثقافة التفوق الطبقي التي تتخفى وراء شعارات «الكفاءة» و«الجدارة»، بينما تمارس إقصاءً ممنهجاً باسم التنافسية. ففي جوهر هذا الطرح يكمن صراع غير متكافئ بين من يملكون أدوات تشكيل المستقبل، ومن يجبرون على اجترار مآسي الماضي، والعيش في هوامشه.
وتتجلى هذه المأساة في أقسى صورها حين يضطر أب معدم إلى أن يختار لأطفاله بين قطعة كنافة صغيرة، أو صحن أرز مغطى بعدس، في يوم لم يذوقوا فيه طعاماً قط.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.