في ظل عالم يتصدع تحت وطأة الحروب المتناسلة، وتنهار فيه الحدود بين الأمني والسياسي، تبرز دعوة معالي العلامة عبد الله بن بيه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي ورئيس منتدى أبوظبي للسلم: «لا حل إلا في صناعة السلم الأبدي، وإعلان الحرب على الحرب، لتكون النتيجة سلماً على سلم». إنها دعوة تُلامس جوهر اللحظة الدولية الراهنة، حيث فقدت السياسة قدرتها على المبادرة، وتحوّل العنف إلى أداة إدارة، وأصبح النزاع مورداً استراتيجياً بدل أن يكون استثناءً طارئاً.
ما يحدث في غزة، بكل ما يحمله من قسوة وانكشاف، يمثل مأساة جماعية، ليس لفلسطين وحدها، بل للمنظومة الدولية بأكملها. مجازر تُرتكب على مرأى من القانون الدولي، وصمت مريب من مراكز القرار العالمي، وسيناريوهات تُكتب بدماء المدنيين لا بأقلام الدبلوماسيين. أما التصعيد الإيراني الإسرائيلي، فليس إلا حلقة إضافية في سلسلة تدويل النزاعات الإقليمية، حيث تُدار الحروب من غرف العمليات لا من طاولات التفاوض.
وفي هذا السياق، يغدو السلم حاجة استراتيجية لا مفرّ منها، ليس فقط لإنقاذ ما تبقَّى من الاستقرار العالمي، بل للحفاظ على الدولة نفسها كأداة تنظيم حضاري، لا كطرف في معركة دائمة. والسلام هنا لا يُفهم على أنه لحظة توقف أو اتفاق هش، بل يُطرح كمنظومة بديلة تقوم على نزع الأسباب العميقة للصراع، وبناء أطر جديدة للتعايش، وتحويل المصالح المتضاربة إلى فرص مشتركة.
لقد أثبتت التجارب القريبة؛ من العراق إلى اليمن، ومن ليبيا إلى السودان، أن الحروب لم تُسقط أنظمةً فقط، بل أسقطت مجتمعاتٍ، وأحرقت مفهومَ الدولة، وأفرغت الجغرافيا من سكانها، ليُملأ الفراغ بالخراب. حتى ما يُسمى انتصارات عسكرية ما عاد يقنع أحداً، لأنها لا تثمر استقراراً، بل تؤسس لدورات جديدة من العنف والانقسام. ومن هنا، فالتحول الحقيقي لا يكمن في وقف طلقات النار فحسب، بل في بناء إرادة سياسية واعية تُدرك أن إدارة النزاعات ليست مشروعاً للسلطة، بل تهديدٌ لجوهر السيادة.
وهذا يتطلب من الدول أن تنتقل من منطق التوازنات الحربية إلى عقلانية السلم، ومن منطق المحاور إلى منطق الجسور، ومن هندسة الردع إلى هندسة التعاون. وفي هذا الإطار، يبرز المشروع السياسي الطموح الذي يقوده صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، حيث تحوّل السلام من خطاب إلى ممارسة، ومن مبادرة إلى سياسة دولة. لم تتعامل الإمارات مع السلم بوصفه موقفاً ظرفياً، بل جعلته من ثوابت رؤيتها الاستراتيجية، فصاغت نموذجاً متكاملًا يقوم على ترسيخ ثقافة العيش المشترك، وتصدير الدبلوماسية الوقائية، وتعزيز الشراكات الإنسانية.
ومن خلال وثيقة «الأخوة الإنسانية»، ودمج ثقافة التسامح في التعليم، وإطلاق مبادرات عالمية للحوار، قدّمت الإمارات تجربةً رائدةً في تحويل مفردات السلم إلى أدوات نفوذ ناعم فاعلة. كما ارتبط هذا المشروع بتعزيز الأمن الداخلي، وتكريس الاقتصاد التنموي، وتقديم نموذج من الحكم الرشيد الذي يربط بين الاستقرار والكرامة، بين الانفتاح والسيادة. إن نهج صاحب السمو رئيس الدولة في السياسة الخارجية يرتكز على بناء الجسور لا الاصطفاف، وعلى تفكيك منابع التوتر لا ترحيلها. ولذا لم تعد الإمارات فقط بلداً ناجحاً في محيط مضطرب، بل باتت شريكاً يُعتمد عليه دولياً في ملفات الوساطة والتنمية والاستقرار الإقليمي.
في عالم يتآكل فيه منسوب الثقة، ويزداد فيه منسوب الخوف، لم يعد السلام خياراً مؤجلًا أو رفاهية نظرية، بل بات ضرورة سيادية لبقاء الدولة، واستمرار المجتمعات، وحماية المستقبل. ومن لا يلتقط هذه اللحظة الاستراتيجية، قد لا يُمنح فرصة أخرى لإصلاح ما تفسده الحروب.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة