يُعَد الابتكار الاجتماعي اليوم من المفاهيم المحورية في أدبيات التنمية المستدامة، وإعادة هندسة النظم الاجتماعية في مواجهة التحديات العالمية المتصاعدة، إذ يمثل منظومة متكاملة من الآليات الفكرية والتطبيقية، التي تستهدف استحداث حلول خلاقة للقضايا الاجتماعية المزمنة والمعقدة، بما يتجاوز الأطر التقليدية للسياسات الحكومية، أو المبادرات الفردية.
ومن ثَمّ يتجاوز الابتكار الاجتماعي كونه مجرد نشاط اقتصادي أو تجاري، ليغدو ممارسة مجتمعية تدمج بين المعرفة العلمية، والحاجات الاجتماعية، والقيم الثقافية، في إنتاج واقع أكثر عدالة وفاعلية واستقراراً.
وقد ظهر مصطلح الابتكار الاجتماعي في سياق التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ ستينيات القرن العشرين، متأثراً بصعود الفكر التنموي والحركات الاجتماعية الساعية إلى معالجة الفجوات الاجتماعية الناتجة من التحولات الاقتصادية.
أما المأسسة الحقيقية لهذا المفهوم، فقد بدأت تتبلور في التسعينيات من القرن الماضي، حين أولته مؤسسات بحثية وحكومية متعددة في أوروبا وأميركا وكندا أهمية خاصة، كما يتجلى في تأسيس مراكز متخصصة مثل «مركز ستانفورد للابتكار الاجتماعي» عام 2000، وإطلاق مبادرات وبرامج، مثل تلك التي أطلقتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، والاتحاد الأوروبي، منذ عام 2011. وهنا نأتي إلى الحديث عن التجربة الإماراتية التي جاءت فريدة في هذا المضمار، إذ سبقت من حيث الممارسة كثيراً من التنظير الغربي المتأخر، وتمثلت في فكر الأب المؤسس، المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -طيب الله ثراه- الذي أسّس مشروع الاتحاد نفسه على قاعدة من الابتكار الاجتماعي.
وقد أدرك زايد بحنكته السياسية وعبقريته الاجتماعية أن التحدي الحقيقي لا يكمن في بناء الهياكل الإدارية أو الاقتصادية فحسب، وإنما في بناء المواطن الواعي القادر على حمل مشروع الدولة وتطويره عبر الأجيال، ومن هنا جاءت كلمته الخالدة التي قال فيها: «المواطن هو الثروة الحقيقية على هذه الأرض، وهو أغلى إمكانيات هذا البلد»، وتتماهى هذه الرؤية مع مدرسة التنمية البشرية التي تضع رأس المال البشري والاجتماعي في صدارة عناصر الإنتاج والتنمية.
وإذا ما استدعينا، في هذا السياق، نظرية ابن خلدون حول دورة حياة الدول، التي تبدأ بالعصبية القبلية، وتنتهي بالتفكك عند ضعفها، فإن الشيخ زايد قدَّم نموذجاً تفوق على النسق «الخلدوني» نفسه، فقد حوّل العصبية القبلية عصبيةً وطنية تكاملية تقوم على قيم الاتحاد والتسامح والانفتاح، وهو ما مكّن دولة الإمارات من تحقيق حالة من الاستقرار السياسي والتطور الاقتصادي والاجتماعي قل نظيرها إقليميّاً وعالميّاً.
وتنعكس هذه الرؤية التأسيسية اليوم في تصدُّر الدولة كثيراً من مؤشرات الابتكار والتنمية العالمية، إذ جاءت في المرتبة 32 في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2024، وحافظت على المركز الأول في مؤشر ريادة الأعمال للعام الرابع على التوالي. ولم تكتفِ الدولة بإنشاء مشروعات اقتصادية فحسب، بل أسست مؤسسات فكرية وتقنية، وعلى رأسها جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، ومعهد الابتكار التكنولوجي، و«مدينة مصدر» بصفتها نموذجاً عالميّاً للتنمية الحضرية المستدامة.
ولا يخلو هذا المشروع الطموح من تحديات مستقبلية، تتطلب مضاعفة الاستثمار في البحث العلمي التطبيقي، وربطه بقضايا التنمية الاجتماعية، وتعزيز ثقافة الابتكار الاجتماعي في منظومات التعليم، وتحفيز المجتمع المدني ليكون شريكاً فاعلاً في مشروعات التنمية. وختامًا يمكننا القول إن الابتكار الاجتماعي في دولة الإمارات لم يكن مجرد خيار عابر أو ترف فكري، بل كان مشروع دولة متكاملة رسم ملامحها الأولى الشيخ زايد -رحمه الله-، وأسَّس لنموذج عالمي يجمع بين الأصالة والحداثة، وبين الهوية والانفتاح، في توليفة حضارية أصبحت اليوم موضع اهتمام كثير من مدارس التنمية السياسية والاجتماعية في مختلف أنحاء العالم.
*أستاذ مساعد في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.