هل إدخال اللغة الإنجليزية إلى المناهج الدراسية هو السبب في تراجع إتقان الطلاب اللغة العربية؟ قد يبدو السؤال بديهياً وسهل الطرح، ولكنه يُخفي خلفه إشكالاً بنيوياً عميقاً، فالمسألة لا تتعلق بتوقيت تدريس اللغة الثانية فقط، بل بجوهر تعليم اللغة العربية نفسه: المنهج، والمعلم، والبيئة، والوظيفة، والوجدان التربوي. والسؤال الأهم: هل نُقدّم اللغة العربية كما ينبغي، بصرف النظر عن وجود لغات أخرى؟ فنتائج الاختبارات الدولية تُظهر ضعفاً ملحوظاً في مستويات التحصيل اللغوي حتى في الأنظمة التعليمية التي تُؤخِّر تدريس الإنجليزية.
وفي معظم البيئات المدرسية تقدَّم اللغة العربية بصفتها نظاماً قاعديّاً جامداً، لا وسيلة للفهم والتفكير والتعبير، فتُدرَّس بمعزل عن الحياة اليومية، كأنها لغة المسلسلات التاريخية، لا لغة الطالب المعاصر. وهنا يتجلّى جوهر الأزمة. ووفقاً لنظرية Cummins حول «العتبة اللغوية»، فإن الطفل يحتاج إلى ترسيخ كفاءة أكاديمية في لغته الأم، ليتمكن لاحقاً من تعلُّم لغة ثانية من دون اضطراب إدراكي. غير أن تعليم اللغة العربية - كما يُمارَس حاليّاً - لا يُوفّر هذه القاعدة، فالمنهج مزدحم، ومُثقَل بكثرة القواعد، وتحليل النصوص البعيدة عن التجربة، وحفظ القصائد التي لا تمس وجدان الطالب. وعلاوة على ذلك لا قراءة موازية ممتعة، ولا مشروعات منتجة، ولا بيئة لغوية مدرسية تُبقي هذا الطالب في الفضاء العربي.
أما المعلم، حامل الرسالة، فيرزح تحت وطأة منهاج وظيفي طويل محكوم بمنطق التقييم لا الفهم، لا يجد وقتاً للكتابة الإبداعية، ولا مساحة للحوار، ولا حرية في اختيار النصوص، فيُدرِّس المهارات اللغوية الأربع بطريقة نمطية مختلة، يطغى عليها الإملاء والتحليل القواعدي، ويغيب عنها الاستماع والتعبير الشفهي والتذوق البلاغي. وهذه هي صورة ما تسميه Delpit «التدريس القائم على الضبط لا التمكين»، إذ تصبح اللغة أداةَ تقييد، لا أداةَ انطلاق.
وفي التجارب الدولية الناجحة (فنلندا، وسنغافورة، ورواندا)، تُدرَّس اللغة الأم بقوة منذ السنوات الأولى، وتُضاف اللغة الثانية تدريجياً من دون أن تُزاحمها، وهذا ما يعني أنَّ المشكلة التي نعانيها لا تكمن في تدريس اللغة الإنجليزية، بل في غياب تقديم اللغة العربية بصفتها لغةً ذات وظائف حيوية: في تعلُّم العلوم، وفي المشروعات الرقمية، وفي الحوار المدرسي، وفي السياقات التي تمنح الطالب شعوراً بالإنجاز العالمي، وحين لا يرى الطالب في اللغة العربية أداةً للمعرفة والمستقبل، فإنه يتجه حتماً إلى اللغة التي تُجسّد هذه الوظائف.
ونخلص مما تقدم إلى أن استمرار تعليم اللغة العربية في صيغته الحالية، بصفتها لغة محفوظات تخلو من الحياة، لن يجدي نفعاً. كما لن يغير تأخير إدخال اللغة الإنجليزية إلى المناهج التعليمية من النتيجة في شيء، إذْ ستبقى اللغة العربية، في وعي الطالب، مجرد مادة للاختبار، لا أداةً للتفكير، أو نافذةً إلى العالم. ولذلك، فإنَّ الحل لا يبدأ بخصم الزمن من اللغات الأخرى، بل بإعادة تصميم النظام اللغوي العربي برمّته، ويشمل ذلك تنظيم توزيع الزمن من جديد، وتجديد المناهج، وتأهيل المعلمين، ودمج اللغة العربية في المواد الأخرى، وبناء علاقة وجدانية حقيقية للطالب بها داخل البيئة المدرسية، فلن تستعيد هذه اللغة مكانتها ما لم نحرِّرها أولاً من قوالب التلقين، ونُعِدْ هندستها بصفتها لغةً تُعاش، لا لغةً تُجتاز.
*مستشار مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.