في خضم أزمة كانت محتدِمة بين إيران وإسرائيل، لاحت في الأفق على إثرها بوادر تصعيد خطِر عبر الإقليم، وربما إلى ما ورائه، وكان ينذر بتورّط المنطقة في مسار يصعب التحكم بمآلاته. وسط هذه الأجواء المشحونة، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بدبلوماسيتها المتزنة، لتمثل أحد الرهانات الحقيقية لاحتواء الأزمة. وما يميز الإمارات، في هذا السياق، ليس تحركاتها السريعة والمؤثرة فقط، بل امتلاكها رؤيةً واضحةً لكيفية إدارة التوترات عبر الانفتاح الإيجابي على جميع الأطراف، وما تتمتع به من علاقات متوازنة تؤهلها للعب دور الوسيط الموثوق به. ونسير مع القارئ الكريم لسبر أغوار خصائص التعامل الإماراتي مع الأزمة الراهنة، التي يمكن تجلِيَتها فيما يأتي:
أولاً: سرعة الاستجابة، وتناسبها مع جسامة الأزمة، إذ فور اندلاع المواجهة، برز نشاط دبلوماسي إماراتي مكثف بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، من خلال اتصالات شبه يومية بكثير من قادة أطراف إقليمية ودولية معنية بالأزمة. فيما بادر سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، بحراك دبلوماسي موازٍ واسع النطاق شمل كثيراً من وزراء خارجية الدول الإقليمية والأوروبية.
ثانياً: المسؤولية والمصداقية، فبقدر ما يعكس هذا الحراك الدبلوماسي بُعد نظر القيادة السياسية، وإدراكها أهميةَ وجود مبادرات عاجلة وذات مصداقية، فإنه يعكس بالقدر نفسه إحساساً عالياً بالمسؤولية، ليس تجاه أمن الدولة وسلامتها فقط، ولكن تجاه الأمن والسلامة الإقليميين والدوليين أيضاً.
ثالثاً: الرهان على العمل الدولي متعدد الأطراف، إذ تعكس هذه الاتصالات جميعها إدراك القيادة السياسية عدمَ إمكانية التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة ومتوازنة من دون تعبئة أقصى قدر ممكن من الجهدَين الإقليمي والعالمي، وليس الرهان على أطراف إقليمية أو دولية محدودة. ويعكس هذا الإدراك قيمة أساسية في السياسة الإماراتية، هي الإيمان بالتشاركية، وأولوية العمل الجماعي المنسق. رابعاً: شمولية الرؤية والمعالجة، إذ إنه فيما حدَّد صاحب السمو رئيس الدولة هدف الحراك الإماراتي في «تهدئة الأوضاع، وخفض التصعيد، بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار»، فقد نبّه سمو وزير الخارجية إلى أن أي حل للأزمة يجب أن يأتي «ضمن أسس شاملة تحقق الاستقرار والازدهار والعدالة لشعوب المنطقة». ويشير هذا الطرح إلى سعي الدبلوماسية الإماراتية لتوفير إطار للتسوية لا يقف عند حدود أسباب الصراع المباشرة، ولكن يمتد إلى معالجة أسبابه العميقة، وخلق شبكة منافع متبادلة ومتوازنة تجعل العودة إلى الصراع أمراً مستبعداً، وتضمن استدامة أي تسوية محتملة.
يتجلى للقارئ الكريم مما تقدم أن الحراك الدبلوماسي الإماراتي الراهن لا يعكس دبلوماسية ظرفية، بل يعيد تأكيد ثوابت راسخة في نهج الإمارات السياسي والدبلوماسي، وفي نموذج بناء الدولة، الذي أرساه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، على قاعدة من القيم مثل التسامح، والتخطيط الاستراتيجي، والحكم الرشيد.
وقد انعكست ثمار هذا النموذج في مؤشرات عديدة ملموسة، أحدثها ما أعلنه تقرير التنافسية العالمية 2025 من حلول دولة الإمارات في المرتبة الخامسة عالمياً، متفوقةً على دول متقدمة عدة، وضمن العشر الأوائل في الكفاءة الحكومية، وكفاءة الأعمال، والأداء الاقتصادي. وتكشف هذه المؤشرات عن قدرة النموذج الإماراتي على تحويل الجغرافيا المحدودة إلى مساحة استراتيجية فاعلة، وعلى استخدام أدوات التنمية والتعاون بدلاً من أدوات الصراع والهيمنة، لتعزيز المكانة، وفرص النمو والنفوذ، حتى باتت دولة الإمارات، ذات الأربعة والخمسين عاماً، قوة إقليمية، بل عالمية قادرة وواثقة ومؤثرة.
وفي هذا السياق تقدم تجربة الإمارات مجموعة دروس يتعين تأملها: أولها أن التنمية ليست نتاج الوفرة المالية، بل مكمِّلة لها، وتبقى القيادة الرشيدة، والحوكمة الرشيدة، وتوظيف الموارد البشرية، المحرك الرئيسي لعجلة التنمية. وثانيها أن الدبلوماسية الفاعلة لا تتطلب الانخراط في محاور، بل الانفتاح على الجميع. وثالثها أن الاستقرار لا يُفرَض بالقوة، بل يُبنى بالثقة، والمؤسسات، والرؤية الواضحة، والعمل المشترك لتحقيق الأهداف المشتركة.
*كاتب إماراتي