اجتمع قادة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أقوى تحالف عسكري في العالم، في مدينة لاهاي الهولندية لحضور قمتهم السنوية. ولا يبدو أن اجتماعهم يتجه نحو كارثة، كما خشي الكثيرون قبل بضعة أشهر فقط.
ورغم نجاح «الناتو» في كسب الحرب الباردة وبقائه أقوى تجمع دولي في التاريخ الحديث، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب شكّك في جدوى التحالف علناً لسنوات، بل صرح خلال ولايته السابقة، بأنه أخبر قادة دول الناتو بأنه «سيشجع» روسيا على فعل «ما يحلو لها» ضد أعضاء الناتو الذين لا يبذلون قصارى جهدهم في الإنفاق العسكري. وكرّر تساؤله عما إذا كان ينبغي على الولايات المتحدة الوفاء بتعهد الدفاع المشترك للحلف بموجب المادة الخامسة من معاهدة تأسيس الحلف، والتي تتناول فكرة أساسية مفادها أن الهجوم على أي دولة عضوة يعتبر هجوماً على الجميع، في حال تعرض أي دولة حليفة للهجوم، حتى لو لم تفِ بالتزاماتها المالية.
ولا شك أن تراجع الاهتمام الأميركي بالناتو، وغياب الالتزام الأميركي بالدفاع عن أوكرانيا، بالإضافة إلى شعور أوروبا بحالة من عدم اليقين حول كيفية التخطيط بالتعاون مع شريك بهذا التقلب، قد تُعرّض التحالف للخطر. إلا أن هناك عدة أسباب تدفع من يُعلنون بالفعل نهاية التحالف، وأنا أعرف الكثير منهم، إلى التخلي عن تشاؤمهم.
وتقترب دول الناتو الـ32 من تحقيق معيار أقوى للعمل المشترك، فقد أكد الأمين العام للحلف مارك روته مؤخراً أنه كان يتوقع من الأعضاء اعتماد مستويات إنفاق مشتركة أعلى، حيث تهدف كل دولة عضو إلى إنفاق 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي لتعزيز قواتها العسكرية في إطار نسبة 5% المخصصة للأمن العام. ويبلغ الهدف الحالي للإنفاق العسكري 2% فحسب. وقد حققت غالبية دول الحلف هذا الهدف الآن، ولكن بالكاد، وذلك لا يكفي لتمكين أوروبا من مواجهة التحديات الأمنية.
وعندما اقترح ترامب وفريقه مستوى الـ5% قبل بضعة أشهر، بدا الرقم مرتفعاً بشكل فلكي، لا سيما وأن الولايات المتحدة نفسها لا تنفق حالياً سوى حوالي 3.2% من ناتجها المحلي الإجمالي على جيشها، مقارنة بمعايير الحرب الباردة التي تراوحت بين 5% و10%، وقد تجاوزت هذه النسبة 35% خلال الحرب العالمية الثانية.
ويبدو أن أعضاء «الناتو»، ومن بينهم الولايات المتحدة، يحاولون التوصل إلى إجماع جديد، من خلال تصنيفات جديدة تشمل الإنفاق على الأمن القومي وتحديث البنية التحتية الحيوية، مثل الشبكات السيبرانية والطرق. وهناك سبب آخر للتفاؤل، فحلف «الناتو» موحّد في الغالب مرة أخرى في رغبته في منع المزيد من المكاسب الروسية ضد أوكرانيا.
ولا تزال الولايات المتحدة عنصراً غير متوقع، فقد كانت مواجهة ترامب مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي في فبراير الماضي إحدى أكثر لحظات ولايته الثانية حدة، إلا أن زيلينسكي وافق لاحقاً على شروط ترامب لبحث وقف إطلاق النار.
ويجب تذكير المتشائمين بشأن مستقبل «الناتو» بأن الولايات المتحدة لم تُخفّض قواتها العسكرية في أوروبا منذ تنصيب ترامب، وقد تفعل ذلك في الأشهر المقبلة. ولكن بقاء القوات الأميركية في أراضي الناتو قريبة من روسيا يجعل احتمالات الهجوم على أي عضو في الناتو ضئيلة، رغم التزام ترامب المتذبذب تجاه الحلف.
ويوفّر التاريخ دليلاً مفيداً في هذا السياق، فقد أجمع أعضاء «الناتو» الـ12 الأصليون، الذين وقعوا على معاهدة تأسيس الحلف في واشنطن عام 1949، على خشية العدوان والطموح السوفييتي، ولم يكن بينهم شخصية شبيهة بترامب تلوّح بالتزام غير مؤكد تجاه الحلف. ومع ذلك، فقد اعتُبرت المعاهدة، غير كافية لردع موسكو. ولم يبدأ شعور شعوب الدول الأعضاء بالأمان إلا بعد أن ضم الناتو ألمانيا الغربية، وسُمح بإعادة تسليحها، ونشر قوات الحلف، تشمل القوات الأميركية، على الحدود بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية.
ولم يقتصر «الناتو» يوماً على مجرّد كلمات مطمئنة أو اتفاقات مكتوبة، بل يُمثل في المقام الأول قوة قتالية ذات مصداقية، مرتبطة بالقوات التقليدية وغير التقليدية للآلة العسكرية الأميركية بأكملها. ولا تزال أجزاء كبيرة من تلك الآلة موجودة على الأرض الأوروبية. فهناك ما يقارب 100 ألف جندي أميركي يتمركزون هناك، يشملون أعداداً كبيرة في الدول الشرقية القريبة من روسيا.وفي ملاحظة تنم عن تفاؤل مشروط بمستقبل الناتو، قرر ترامب أن القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا، وهو منصب شغله أولاً الجنرال دوايت أيزنهاور، يجب أن يظل أميركياً. ويُشاع أنه يفكر في تسليم المنصب إلى شخصية أوروبية، وهو ما كان سيشكّل رمزاً مؤلماً لتراجع انخراط الولايات المتحدة في الحلف.
*مدير الأبحاث في برنامج السياسة الخارجية بمؤسسة بروكينغز، ومؤلف الكتاب المرتقب بعنوان: «مواجهة التحديات الكبرى.. استراتيجية الدفاع الأميركية منذ الثورة».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»