لا يكاد أحدٌ من المشاركين في التقاذف بالصواريخ والطائرات يقر بأنه أصابه شيء من شواظها أو يعترف بالأضرار، لكنه يقول إنها كانت ضئيلة أو تافهة! والفرقاء الرئيسيون، وهم إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، يعلنون جميعاً الانتصار.

سبقتهم إيران فاحتفلت بالانتصار وأتت بعدها إسرائيل، في حين سارعت إدارة ترامب إلى التنبيه إلى أنّ ضربتها القاصمة هي التي أنهْت الحرب. لهجة أميركا المنتصرة شابتها حجاجيةٌ من جانب بعض الخبراء بالداخل الأميركي وإسرائيل، فسارع الترامبيون إلى تأكيد تدمير كل القوى النووية الإيرانية في ضربة معقَّدةٍ ما عرف التاريخُ الحربي لها مثيلاً. وكأنما أرادوا القول بأنّ الأمر ما عاد يحتاج إلى هجمةٍ جديدةٍ، وهيّا نحو السلام الذي يضمن الأمن لإسرائيل والازدهار لإيران. وحتى الصينيين، ويفترض أنهم كانوا حلفاء لإيران، بشّرهم الرئيس ترامب بأنهم يستطيعون الآن استيراد الغاز والبترول منها كما يشاؤون، مع أنّ أميركا هي مَن كان يحظر تلك التجارة!     ما معنى كلّ ما حصل؟ وإلى أين تذهب المنطقة في ظلّ السياسات الأميركية الحالية؟

    إسرائيل نتنياهو وحدها كانت تفضّل استمرار الحرب التي أمر الرئيس الأميركي الطرفين بإنهائها. وينسب البعضُ ذلك إلى أنّ نتنياهو يعاني مشكلاتٍ داخليةً عديدة، ولذا لا يعينه على البقاء في السلطة إلاّ استمرار الحرب! لكنّ هؤلاء ينسون أنَّ كثرةً من الأطراف في إسرائيل كانت تريد استمرار الحرب، رغم اعترافهم بإرهاق الجيش والاستخبارات بالجبهات المتعددة على مدى قرابة العامين. والواقع أن كل الأقليات في العالم عندما تصيبها ضربةٌ بالداخل أو من الخارج يداهمها الإحساس بأنها متجهة للوقوع ضحيةً للإبادة، ولذا تجأر بالشكوى والتظلم.

وبعد 7 أكتوبر 2023 خالج الإسرائيليين هذا الإحساسُ وتضامن العالمُ كلُّه معهم وبخاصةٍ الأوروبيون والأميركيون. ولذا انصرفوا لضرب خصومهم القريبين ضرباتٍ قاصمةً بواسطة جيشهم القوي، حتى صارت اتهامات الإبادة موجَّهة ضدهم. ولذا، وفي هذه الحالة النفسية، وفي ظل تحقق الاستقواء، يصبح المطلوب القضاء على كل مصادر الخطر في الحاضر والمستقبل. بعد الجبهات القريبة حاول الرئيس ترامب كفهم عن مهاجمة إيران التي اعتبروها أصل الشرور التي نزلت بهم. وأطال الإيرانيون التفاوض وسمح لهم الرئيس الأميركي بالاطمئنان في غُرَف العمليات إلى قدراتهم الفائقة، ثم فاجأهم بضربته التي يقول إنها قضت على كل مصادر الخطر الإيراني الذي كان يتهدد العالم ويُقلقه! ترامب يحسب الآن أنه يستطيع طمأنة إسرائيل والانصراف إلى نشر السلام في المنطقة، بما في ذلك وقف الحرب على غزة. لكنّ الإسرائيليين لم يطمئنوا بعد. ولكي يطمئنوا لا بد أن تصبح سائر البلدان القريبة والبعيدة كسيحةً تماماً، والأفضل ليس أن تخلو من النووي والصاروخي، بل وربما من الجيوش! وحتى الآن ما اقتنع الرئيس ترامب بضرورة استمرار الحروب، وهو يريد نشر سلامٍ لا يتهدده سلاحٌ من أي نوع. الرئيس ترامب لا يتحدث عن الضربة القاضية التي أنهت الحروب ولا عن الاتفاقيات الإبراهيمية فقط، بل يستدل أيضاً لقوة فكرة السلام بالنزعة «الحضارية» التي تخللت الصدامات الأخيرة. فهو أخبر إيران قبل الضربة، وإيران أخبرته قبل الرد، وإسرائيل شكرت أميركا على الدعم، وشكرت قطر على الوساطة، وإيران اعتذرت من قطر، والجميع قالوا إنهم انتصروا! فما الداعي إذن لتعويق السلام ما دام الجميع راضين؟! صدق الشاعر أحمد شوقي الذي قال: والحرب يبعثها القوي تجبراً.. وينوء تحت بلائها الضعفاءُ

*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية