من بين الدروس التي تعلمتها مع التقدم في السن، أن التواريخ التي تبدو بعيدة جداً ستأتي في نهاية المطاف، وأن الفواتير المستحقة عندها ستتوجب سدادها. نقطة التحوّل التي طالما تم التحذير منها - دخول برنامجي الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية (ميديكير) في حالة إفلاس - بدت وكأنها خيال علمي حين بدأت أتخيل ثلاثينيات هذا القرن.
لكن مراجعة جديدة للأرقام تؤكد أن الوقت اقترب فعلا. وفقا لأحدث تقرير صادر عن أمناء صندوق الضمان الاجتماعي، فإن الفجوة التمويلية ستؤدي، في حال لم يتخذ الكونجرس أي إجراء، إلى تخفيضات كبيرة في مزايا التقاعد والتأمين الصحي بحلول عام 2033 - أي في فترة زمنية لا تتعدى تلك اللازمة لتحويل طفل رضيع إلى تلميذ في الصف الثالث الابتدائي. أي غمضة عين، كما يعلم أي والد لطفل في ذلك العمر. لقد احترق الفتيل الطويل للقنبلة الحتمية - التقاعد غير الممول لجيل طفرة المواليد، (خلال الفترة بين عامي 1946- 1964)، ووصل إلى نهايته. كانت الدراسات السكانية والرسوم البيانية الاكتوارية صحيحة، والانفجار بات وشيكا. السؤال الآن: ماذا يمكن أن نفعل؟ والأهم، من سيتولى ذلك؟ الحلول المطروحة ليست معقدة. أحدها يتمثل في زيادة الإيرادات، إما من خلال رفع ضريبة الرواتب البالغة 7.65% (والمعروفة باسم FICA، اختصارا لقانون مساهمات التأمين الفيدرالي)، أو من خلال زيادة الحد الأقصى للدخل الخاضع لهذه الضريبة. الخيار الأول يُعد مجحفاً، إذ يقع عبؤه الأكبر على أصحاب الدخل المنخفض.
أما الخيار الثاني، فيزيد العبء على أصحاب الرواتب المرتفعة، وهم أصلا يتحملون النصيب الأكبر من الضرائب، علما بأن هناك بالفعل ضريبة إضافية على دخل الرعاية الطبية لمن يتجاوز دخله 200000 دولار سنويا لدافعي الضرائب غير المتزوجين. خيار آخر هو رفع سن الأهلية للحصول على المزايا، وهو ما يصب في مصلحة من يتمتعون بصحة جيدة أو وظائف مكتبية، على حساب من يعانون من مشاكل صحية أو يعملون في وظائف بدنية شاقة. الحل الثالث يتمثل في زيادة عدد العاملين الذين يساهمون في النظام. لكن هذا يتعارض مع المزاج السياسي السائد، إذ أن أسرع وأضمن طريقة لزيادة عدد العمال هي من خلال تسهيل الهجرة.
وقد يكون هذا الطرح مخالفاً أيضاً لتوجهات التكنولوجيا، فالكثير من الخبراء يتوقعون أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على وظائف أكثر مما يخلق. أمام هذه الخيارات غير المثالية، اختارت الحكومة الحل المفضل لديها: تجاهل الواقع. مثل الطفل الذي يغلق عينيه ليتظاهر بأنه غير مرئي، يواصل الكونجرس والرئيس العمل على مشروع قانون «جميل وضخم» يتجاهل المشكلة، بل ويزيدها سوءا. فمن خلال تعميق العجز في الميزانية الفيدرالية، رغم أن الدين العام في أعلى مستوياته في وقت السلم، يؤدي التشريع الجديد إلى توسيع الحفرة التي نحن على وشك السقوط فيها. صحيح أن «الجمهوريين» مسؤولون عن هذا التشريع، لكن المشكلة في الأساس مشتركة بين الحزبين. فقد أشار الأمناء في تقريرهم إلى أن أحد أسباب تسريع حساباتهم الكارثية هو قانون من عهد بايدن، والذي زاد من مزايا الضمان الاجتماعي للمتقاعدين الذين عملوا في وظائف ثانية بعد تقاعدهم من وظائفهم الأولى التي تغطيها بعض خطط التقاعد العامة. سواء كانوا من الحزب «الجمهوري» أو «الديمقراطي»، فهم جميعاً يشتركون في جبنٍ صارخ عندما يتعلق الأمر بدفع ثمن الوعود التي يقطعونها. لكن قد يقال إن الانتخابات تجعلنا جميعاً جبناء، لأن ممثلينا لا يفعلون سوى ما نطالبهم نحن به. ففي حين كان المرشحون يتبادلون التهم العام الماضي حول مزاعم أكل الحيوانات الأليفة في أوهايو، اتفق الجميع على تعهد واحد: عدم المساس بالضمان الاجتماعي. لماذا؟ لأنهم يعرفون ما الذي يؤثر في الناخبين - والانضباط المالي ليس من بين تلك المؤثرات.
لا يمكن النظر إلى واشنطن واستنتاج أن القرار غير السار بدفع فاتورة التقاعد سيتم اتخاذه من قِبل القادة المنتخبين من أي حزب، ما لم يُجبروا على ذلك. لا من قبل «الديمقراطيين»، الذين يستغلون قضية الضمان الاجتماعي سياسياً، ولا من قبل «الجمهوريين» الذين يرتجفون خوفاً من «المسار الثالث» السياسي (الذي يعني قضايا لا يُسمح بلمسها سياسيا). وقد توصل المحللون وغير المتحيزين في وكالات التصنيف الائتماني الثلاث الكبرى إلى هذه النتيجة، حيث خفّضوا جميعا التصنيف الائتماني العام للولايات المتحدة بسبب هذا العبث المالي. ورغم أن الفكرة قد تزعج محبي الديمقراطية التمثيلية، فإن الطريق الأمثل الآن هو تشكيل لجنة معينة (غير منتخبة) تتولى إعداد مسارين أو ثلاثة تؤدي إلى استقرار الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية مالياً.
ينبغي أن يتولى زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ «جون ثيون» (جمهوري من ساوث داكوتا) وزعيم الأقلية «تشارلز إي. شومر» (ديمقراطي من نيويورك) قيادة تشكيل هذه اللجنة، بمباركة من الرئيس دونالد ترامب. ويجب نشر توصيات اللجنة في مطلع عام 2028، كي تُناقش في انتخابات ذلك العام من قبل جيل جديد من السياسيين. (نأمل ذلك).
*كاتب أميركي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»