فتحت التطورات الأخيرة، خاصة تلك المتعلقة بحرب الاثني عشر يوماً بين إسرائيل وإيران، البابَ أمام العديد من القضايا الحيوية المتعلقة بمنطقة الخليج، والتي لطالما كانت موضوعاً معلقاً في النقاشات الإقليمية والدولية. ومع أن هذه الحرب أحدثت تحولات كبيرة على مختلف الأصعدة، فإنها ساهمت في كسر الجمود الذي كان يكتنف العديد من الملفات، والتي كانت محصورةً في غالب الأحيان في أروقة المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران عبر وسطاء آخرين.
وعلى صعيد آخر، أصبح الملف النووي الإيراني أحد أبرز القضايا التي حظيت بكثافة في النقاشات والمفاوضات خلال فترة إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن. ورغم أنه سبق للمفاوضات أن انتهت بتوقيع اتفاق بين واشنطن وطهران، فإن إدارة الرئيس دونالد ترامب ألغت الاتفاق بعد تبنيها سياسة «الضغط الأقصى»، وهو ما جعل هذا الملف عرضةً للتقلبات السياسية. وفي ظل هذه التحولات الإقليمية، شهدت العلاقات الخليجية الإيرانية تطوراً تمثل في تحسين العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران، عقب اتفاق بكين في يوليو 2023. هذا الاتفاق يُعد خطوةً كبيرة نحو إعادة بناء الثقة بين الطرفين، ويُعد مؤشراً على وجود توجه خليجي جديد يسعى لتعزيز العلاقات مع إيران على الأصعدة كافة. والمرحلة الحالية تتيح فرصةً سانحةً لدفع الحوار الأمني الإقليمي نحو الأمام، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الشائكة، مثل البرنامج النووي والصواريخ الباليستية، بالإضافة إلى ملفات مهمة أخرى.
ومع تزايد اعتماد دول الخليج على سياسات التوازن الإقليمي، يبرز بشكل واضح ضرورة فتح قنوات تواصل مباشرة مع إيران. وفي هذا السياق، بات من الأهمية بمكان أن تتعاون دول الخليج مع إيران لتنسيق مواقفها إزاء التهديدات الأمنية المتزايدة في المنطقة، والتي ازدادت بعد حرب إيران وإسرائيل، وما تلاها من تدخلات أميركية. فخطر البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، أصبح واقعاً يستدعي من دول الخليج مناقشتَه.
إن أي تقارب خليجي إيراني لا بد أن يتطرق، وبالضرورة، إلى ملفيّ البرنامج النووي والصواريخ الباليستية، اللذين يشكلان مصدرَ قلق استراتيجياً لدول مجلس التعاون الخليجي. ومن جهة أخرى، يشهد الملف النووي الإيراني تعثّراً في المفاوضات بين طهران والدول الأوروبية، مما يفتح المجالَ أمام دور خليجي أكبر لملء الفراغ الدبلوماسي في هذا الشأن.
ومن الجدير بالذكر أن العلاقات الخليجية الإيرانية قد شهدت توترات كبيرة في الماضي، لكن التطورات الأخيرة، خصوصاً في ظل الحرب القصيرة بين إسرائيل وإيران، أثبتت على أرض الواقع أهمية الجوار الجغرافي الذي كانت إيران تُقلّل من شأنه لفترة طويلة. وقد استدعت هذه الحربُ إعادةَ النظر في مواقف طهران تجاه جيرانها الخليجيين، وهو ما بدأ يظهر بوضوح في تغيير مواقفها السياسية، وتوجهاتها الجديدة نحو تحسين علاقاتها مع دول الخليج.
الأيام الأخيرة من الحرب بين إيران وإسرائيل شهدت توحداً ملحوظاً في مواقف دول الخليج، حيث أدانت بشكل جماعي الاعتداءات الإسرائيلية على إيران، مما عزز موقفها الإقليمي وأعطاها تأثيراً أكبر على الساحة الدولية. هذه المواقف الخليجيّة المبدئية ضد الاعتداءات الإسرائيلية أسهمت في خلق بيئة سياسية مواتية للحوار الإقليمي، وأكدت الحاجة إلى مزيد من التعاون في مواجهة التحديات المشتركة.
وفي هذا السياق، يأتي تصريح الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، الذي أعرب عن استعداد طهران لفتح «صفحة جديدة» في علاقاتها مع دول الخليج، حيث وصف التعاون مع دول الخليج بأنه «تعاون شامل»، وأكد أنه جزء من «استراتيجية أساسية» تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. بزشكيان أشار إلى أنه أجرى اتصالات هاتفية مع قادة خليجيين، مما يعكس رغبةً جادةً لدى طهران في توسيع التعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي في مجالات متعددة.
*سفير سابق