في إطار استراتيجيتها للتنويع الاقتصادي والدبلوماسية النشطة، تخوض دولة الإمارات العربية المتحدة غمار آفاق جديدة واعدة، مع تركيز متزايد على أميركا اللاتينية، فقد بادرت إلى ضخ استثمارات استراتيجية فيها لتعزيز التعاون في قطاعات حيوية، مثل الخدمات اللوجستية، وتطوير الموانئ، والأمن الغذائي، والطاقة المتجددة، والدفاع، والتكنولوجيا، والمعادن الحرجة، إلى جانب قطاعات أخرى ذات أهمية بالغة.
وعلى مدى العقد المنصرم، تصدرت دولة الإمارات مشهد الاستثمارات الخليجية في القارة اللاتينية، واستحوذت على النصيب الأكبر من هذه الاستثمارات. كما أن المؤسسات الإماراتية، المعنية بالترويج للأعمال التجارية، افتتحت مكاتب تمثيلية في الأرجنتين، والبرازيل، والمكسيك، وبنما، لدعم الشركات الإماراتية في رحلتها لاستكشاف الفرص التجارية الواعدة في أميركا اللاتينية. وتواصل الدولة نسج خيوط التعاون في مجالي السياحة والتجارة، مع تركيز خاص على أسواق واعدة مثل كولومبيا، كما كانت بيرو والدومينيكان من بين الدول المستهدفة لتطوير الموانئ.
وتهدف هذه الاستراتيجية الطموحة، التي ترتكز على تحقيق المصالح المشتركة في مجالي التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي، إلى إثراء كلا الطرفين عن طريق تعزيز التجارة البينية، والابتكار، والمبادرات التعاونية المثمرة. ونظراً للقاعدة الرأسمالية القوية التي تمتلكها الإمارات وتركيزها على الصناعات القائمة على التكنولوجيا، فإن الموارد الغنية بالمعادن الحرجة في أميركا اللاتينية تمثل فرصة مثالية لبناء سلاسل توريد متينة.
وفي سياق أجندة الإمارات الطموحة في الربط اللوجستي، تعمل الدولة على تعزيز قدرات موانئ أميركا اللاتينية، ورفع كفاءتها، وقد تجسد ذلك في استثمارات ضخمة بمرافئ الموانئ في بيرو والإكوادور. وانطلاقاً من اهتمام الدولة بالاستدامة، والتقنيات الصديقة للبيئة، فإنها تحرص على استخدام أحدث المعدات الكهربائية، ومحطات الشحن الكهربائية للشاحنات، ما يعزز منظومة الحلول اللوجستية المستدامة.
وتتضافر هذه الاستثمارات مع ما تتمتع به أميركا اللاتينية من قوة عاملة شابة وواعدة، ورؤية سياسية مستقلة ومتميزة، وموقع جغرافي فريد يربط بين أكبر محيطين في العالم، لخلق فرص عمل واعدة، ودفع عجلة النمو الاقتصادي في ظل المتطلبات العالمية المتغيرة. وإلى جانب التجارة والاستثمار، تبرز القطاعات الاستراتيجية غير التقليدية ركيزةً أساسيةً للشراكة المستقبلية، مثل إنشاء منصات مشتركة لإنتاج المعرفة والتعاون المثمر في مجالات التقنيات العسكرية، والفضاء، والتحول الرقمي، والابتكار العلمي.
وفي حين يبلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي للقارة اللاتينية 2 في المئة، تشهد بلدانٌ مثل نيكاراجوا وهندوراس وكوستاريكا، توقعات نمو مبشرة تتراوح بين 3 و4 في المئة.

وفي ظل طموح دولة الإمارات إلى وصول ناتجها المحلي الإجمالي إلى 800 مليار دولار، بحلول عام 2031، تنتهج الدولة أجندة دبلوماسية اقتصادية نشطة ومتقدمة، تشمل استكشاف فرص تأسيس بعثات دبلوماسية جديدة في أميركا اللاتينية.
كما وقعت الدولة اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة مع تشيلي وكوستاريكا وكولومبيا في عام 2024، وتسهم هذه الاتفاقيات في خفض الرسوم الجمركية، وتبسيط الإجراءات الجمركية المعقدة، وتحفيز الاستثمارات النوعية في القطاعات الحيوية، وتسعى الدولة كذلك إلى إبرام مزيد من هذه الاتفاقيات مع دول أميركا اللاتينية الأخرى، ولا سيما مع تكتل «الميركوسور» الاقتصادي، الذي يضم الأرجنتين، والبرازيل، وباراجواي، وأوروجواي، ودولاً أخرى.
ويمثل انضمام دولة الإمارات إلى مجموعة «بريكس»، التي تُعد البرازيل من أعضائها المؤسسين، نقطة التقاء مهمة أخرى بين الدولة والقارة اللاتينية، فقد حصلت الدولة على العضوية الكاملة في المجموعة رسمياً في عام 2024، ما ينسجم مع رؤيتها الرامية إلى ترسيخ مكانتها مركزاً تجارياً عالمياً، ويسهم في دفع أجندتها التعاونية مع الدول النامية.
ورغم كل هذه المقومات الإيجابية، وتميز العلاقات بين دولة الإمارات ودول أميركا اللاتينية، الأمر الذي يهيئ أرضيةً خصبةً للتعاون المثمر مستقبلاً، فإن العلاقات الحالية تبقى دون مستوى الطموحات، ولذلك لا بد من المعالجة العاجلة للتحديات التي تحول دون تطوير هذه العلاقات وتعزيزها.
وفي هذا الإطار، بادر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي، بالتعاون مع مؤسسة جيتوليو فارجاس البرازيلية، إلى تنظيم حوار يجمع نخبةً من الباحثين، والدبلوماسيين، وصانعي السياسات، يوم 8 يوليو بمدينة ريو دي جانيرو. وهدف الحوار، الذي عُقد على هامش قمة مجموعة «بريكس»، إلى بحث المصالح المشتركة بين الجانبين.

وأتاح الحوار، الذي جمع بين المسارين الرسمي وغير الرسمي، فرصة لاستكشاف آفاق العلاقات الثنائية من منظور شامل يركز على سياسات الاقتصاد والاستدامة والتكنولوجيا، على نحوٍ يسهم في صوغ استراتيجيات مبتكَرة لتعزيز الفرص المتعددة الأبعاد، وتقليص المعوقات والتحديات.
وعُقد هذا الحوار تحت مظلة منتدى هيلي السنوي في أبوظبي، مستلهماً الإرث الحضاري لمنطقة هيلي التاريخية، التي كانت ملتقى تجاريّاً وثقافيّاً في العصر البرونزي، على وعد بعقد نسخ إقليمية أخرى من هذا المنتدى في شتى قارات العالم مستقبلاً.

وركز الحوار، الذي جمع نخبة من المسؤولين الحكوميين، وخبراء مراكز الفكر والبحوث، والأكاديميين، ورجال الأعمال، على جملة من القضايا الحيوية، أبرزها: التحولات الاقتصادية في أميركا اللاتينية ودولة الإمارات، وأهمية العلاقات بين الطرفين في ظل نظام عالمي مضطرب، والدوافع الرئيسية للتعاون، وآفاق التعاون التي تتخطى حدود التجارة التقليدية، إضافةً إلى الاستراتيجيات المبتكرة لتحقيق تكامل يعود بالنفع على الجانبين، وقضايا التنمية المستدامة، والأدوات الفكرية والسياسية المبتكرة التي تساعد على تحقيق تلك الأهداف.
وفي ظل التساؤلات المتزايدة حول جدوى النظام الدولي المعاصر تبرز هذه الشراكة بين دولة الإمارات، وقارة أميركا اللاتينية، بصفتها نموذجاً لشكل جديد من التحالفات الدولية، إذ ترتكز على النهج العملي، لا على الاستقطاب، أو فرض الإرادة، ما يؤهلها لتصبح نواةً أساسية لنظام عالمي جديد يخرج عن حيز المسارات التقليدية، ويكون قوامه التعاون فيما بين دول جنوب العالم.


 *مدير عام أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية

 **مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية