ريو دي جانيرو لم تكن مجرد محطة لقمة اقتصادية تقليدية، بل لحظة مهمة في التاريخ المالي العالمي. الاجتماع الذي عُقد في السادس من يوليو 2025، ضم قادة دول تحالف بريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا)، إلى جانب عشر دول شريكة أبرزها مصر، إيران، والسعودية والإمارات، لإطلاق ما بات يُعرف بـ«خطة ريو» لإعادة تشكيل النظام المالي العالمي، والخروج من هيمنة المؤسسات الغربية. التحالف أعلن بوضوح أن العالم لم يعد يحتمل نظاماً أحادي القطب يربط قوته العسكرية بعملة مفروضة على الجميع، وأن الوقت قد حان لتحرير التجارة، والتمويل، والتحويلات.
أبرز ما تطرقت له القمة كان حزمة اتجاهات استراتيجية ستُحدث زلزالاً في البنية المالية للعالم، أولها الدعوة لاعتماد التجارة بالعملات المحلية بين دول بريكس، وهو ما بدأ فعلياً بين روسيا والصين، وسيتوسع ليشمل الهند، البرازيل، مصر، وغيرها.
ثانيها الاتجاه نحو إطلاق منظومة تحويلات بديلة عن «سويفت» تعتمد على تقنيات اليوان الرقمي والروبل، بما يسمح لهذه الدول بتجاوز العقوبات الأميركية، وتمويل مشروعاتها دون المرور بالبنوك الغربية. أما ثالث الاتجاهات، فتمثل في الدعوة إلى إعادة هيكلة الديون السيادية داخل التحالف، بحيث تُسدد بعملات محلية، في خطوة توصف بأنها «ثورة على أدوات السيطرة القديمة». مصر ستكون من أولى الدول المستفيدة، بعد الاتفاق على تحويل أقساط مشروع الضبعة النووي إلى الروبل الروسي.
ورابعاً، تم الإعلان عن تعزيز دور بنك التنمية الجديد كبديل فعلي للبنك الدولي، عبر تقديم قروض بفوائد رمزية دون شروط سياسية، وفتح الباب لانضمام دول الجنوب الطامحة إلى تمويل مستقل. هذه الاتجاهات، رغم رمزيتها، تعكس تحولًا تدريجياً لكنه ثابت، نحو الابتعاد عن المركز المالي الغربي.
ومن الواضح أن تراجع الدولار في الاحتياطيات العالمية من 71.5% عام 2000 إلى 58.4% عام 2024، هو بداية، خاصة مع توجه ترامب لتصعيد المواجهة بفرض رسوم جمركية على دول بريكس بنسبة 10%، في خطوة بدت كتهديد مباشر لإرادة هذه الدول.
لكن مجموعة بريكس، كما أكد قادتها، لا تسعى لمواجهة سياسية، بل لعدالة اقتصادية. التكتل يمثل 45% من سكان العالم، ونحو 35% من الناتج العالمي، ويملك من الموارد، والتقنيات، والشراكات ما يجعله مؤهلًا لفرض معادلة جديدة في النظام المالي. لا شك أن هذه الاتجاهات ستربك الأسواق في حال تفعيلها، وقد تولد موجات تضخم قصيرة، لكنها تمهد لنظام أكثر استقراراً على المدى الطويل.
عالم متعدد الأقطاب هو ضرورة تاريخية، لا خيار سياسي. لقد دخلنا مرحلة جديدة، ومن الواضح أن الدولار لن يتراجع فجأة، لكنه لم يعد ملكاً متوجاً على العرش المالي العالمي. والبريكس لا تعلن الحرب على أحد، لكنها تُعلن نهاية الخضوع. فهل انتهى زمن الامتياز النقدي الأميركي، وبدأ زمن السيادة الاقتصادية المشتركة؟
*لواء ركن طيار متقاعد.