-قبل شهر فقط، كان إيلون ماسك يتشاجر عبر الإنترنت مع الرئيس دونالد ترامب بشأن مستويات الإنفاق الكارثية لمشروع قانون «الواحد الكبير والجميل»، والآن، لم يُوقّع مشروع القانون فحسب، بل أعلن ماسك أيضاً عن تشكيل حزب جديد يحمل اسماً عاماً نوعاً ما: «حزب أميركا». (وليس «حزب X»!)
من الواضح أن ماسك يسعى للانتقام من ترامب والحزب الجمهوري لتجاهلهم تحذيراته بشأن الإنفاق المفرط، لكنه يقول إنه يتصور بأن «حزب أميركا» سيكون خياراً ثالثاً قابلاً للتطبيق ينافس كلاً من «الديمقراطيين» و«الجمهوريين»، أو ما يسميه «الحزب الواحد». وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أعاد ماسك نشر حجة مفادها أن الأشخاص الذين يعتقدون أن حزباً سياسياً جديداً لن ينجح، هم أنفسهم مَن أصروا على أن شركته للصواريخ، أو شركته للسيارات الكهربائية، أو حتى شركته لرقائق الدماغ، لن تنجح. إنه أمر جيد وصحي أن ينجح المرء في إنجازات عظيمة ويستنتج: «أنا قادر على تحقيق أمور عظيمة». لكن الدرس لا يجب أن يكون: «كل شيء عظيم أحاوله سينجح، وكل مَن يشك في نجاحي مخطئ».
منذ عام 2003، اتفق أكثر من نصف الأميركيين، بنسبة متوسطة تبلغ 56% وفقاً لاستطلاع جالوب في أكتوبر الماضي، على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى حزب سياسي ثالث كبير. يقول الأميركيون إنهم يريدون خيارات تتجاوز الديمقراطيين والجمهوريين، لكن عند تقديم تلك الخيارات بالفعل، مثل حزب الخُضر أو الحزب الليبرالي، فإنهم يتجاهلونها ويختارون إما الديمقراطي أو الجمهوري.
في الانتخابات الرئاسية لعام 2024، تم التصويت بنسبة 98.2% لصالح إما ترامب أو كامالا هاريس. وقبلها بأربع سنوات، كانت النسبة ذاتها تقريباً لصالح ترامب أو جو بايدن. وفي عام 2016، كانت 94.4% من الأصوات لصالح ترامب أو هيلاري كلينتون.
وفي 4 يوليو، كتب ماسك: «إحدى الطرق لتطبيق هذه الفكرة هي التركيز المكثّف فقط على مقعدين أو ثلاثة فقط في مجلس الشيوخ و8 إلى 10 دوائر في مجلس النواب. ونظراً للهوامش التشريعية الضئيلة، سيكون ذلك كافياً ليشكل التصويت الحاسم على القوانين المثيرة للجدل، ويضمن أنها تخدم الإرادة الحقيقية للشعب».
إن تركيز الجهود على عدد قليل من السباقات الانتخابية، بدلاً من محاولة المنافسة بجدية في جميع دوائر مجلس النواب البالغ عددها 435 دائرة، ومقاعد مجلس الشيوخ الـ33 الشاغرة في انتخابات التجديد النصفي العام المقبل، من شأنه أن يُحسّن بالفعل فرص نجاح حزب ماسك. لكن التاريخ الحديث يُشير إلى أن الأميركيين لن يُرحّبوا بخيارات الأحزاب الثالثة على هذا المستوى أيضاً.
في مجلس الشيوخ، كانت أنجح محاولات مرشحي الأحزاب الثالثة في الدورات الأخيرة من نصيب «كارلتون بوين» من ولاية يوتا، الذي حصل على 5.7% من الأصوات في عام 2024، و«ريك بيكر» (من ولاية داكوتا الشمالية) بنسبة 18.5% عام 2022، و«سكوت كليفلاند» (من أيداهو) بنسبة 8.4% في نفس العام. (ولا يُحسب أي مرشح «مستقل» يشارك في اجتماعات الحزب الديمقراطي، مثل «أنجوس كينج»، من مين، أو «بيرني ساندرز»، من فيرمونت، ولا أولئك الذين خاضوا الانتخابات كمستقلين بعد انسحاب الحزب الديمقراطي فعلياً من السباق، مثل «إيفان ماكمولين» في يوتا أو «دان أوزبورن» في نبراسكا).
حقق مرشحو الأحزاب الثالثة، أو المستقلون، نتائج أفضل في سباقات مجلس النواب في الدورات الأخيرة. ففي العام الماضي، حصلت «ناديا ميليرون» على 36.2% من الأصوات في الدائرة الأولى لماساتشوستس، لكن ذلك يأتي مع ملاحظة أن النائب الديمقراطي «ريتشارد إي. نيل» خاض السباق دون معارضة من الحزب الجمهوري. أما «جريج كيد»، فحصل على 36.1% في الدائرة الثانية من نيفادا، لكن مرة أخرى، لم يكن هناك منافس ديمقراطي للنائب الجمهوري «مارك أمودي».
لاحظ أن أياً من هؤلاء المرشحين لم يقترب حتى من الفوز، وأن المستقلين نادراً ما يفوزون. ومع ذلك يواصل الأميركيون القولَ بأنهم يريدون خياراً سياسياً ثالثاً، إلا أنهم لا يصوتون لصالحه إن توفر، رغم أنها مسألة مهمة للغاية من أجل التأثير على سياسات الإدارة.
تشبه مبادرة ماسك إلى حد ما حركة «لا للتصنيفات» الفاشلة، والتي حاولت تقديم مرشح رئاسي لانتخابات عام 2024. سياسياً، يبدو أن ماسك يتبنى موقفاً محافظاً مالياً، إذ يعارض الضرائب المرتفعة والتنظيمات المفرطة، ويقلق بشأن الإنفاق الزائد.. إلخ، لكنه ليبرالي اجتماعياً، وربما حتى مفرط في ليبراليته.
بين النخب الأميركية، لا يُعد هذا المزيج من المحافظة المالية والانفتاح الاجتماعي نادراً.
لكنه نادر بالفعل في أوساط الناخبين الأميركيين: فقد قدر استطلاع وتحليل أُجري في يونيو 2024 أن الليبراليين يشكلون حوالي 4% من جمهور الناخبين. معظم الجمهوريين محافظون اجتماعياً واقتصادياً، ومعظم الديمقراطيين ليبراليون اجتماعياً واقتصادياً، وهناك شريحة لا بأس بها من حركة «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» («ماجا») الشعبوية يمكن اعتبارها محافظة اجتماعياً وليبرالية اقتصادياً.
وإذا أراد ماسك أن يحصل حزبه الجديد على فرصة حقيقية، فعليه أولا أن يُقنع المزيد من الأميركيين بأن مزيج السياسات المالية المحافظة والاجتماعية الليبرالية هو فضل سبيل.
جيم جيراغتي*
*كبير المراسلين السياسيين في مجلة «ناشونال ريفيو»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»