في خطوة جديدة تؤكد تصاعد الوعي الدولي بمخاطر جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة «الإخوان» الإرهابية، كشفت فرنسا مؤخراً عن سلسلة من الإجراءات الصارمة لوقف تمويل هذه التنظيمات، بما في ذلك إعلان تجميد أصول 12 كياناً مالياً ومنظمة مرتبطة بالجماعة، في خطوة تهدف إلى قطع شرايين التمويل التي تغذي أنشطتها داخل البلاد وخارجها.
لم تكن هذه التحركات الفرنسية وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة تراكم الاقتناعات لدى صُنّاع القرار في باريس بأن الجماعة تمثل تهديداً حقيقياً للاستقرار المجتمعي وقيم الجمهورية الفرنسية، حيث سبق ذلك بأسابيع قليلة صدور تقرير رسمي فرنسي تم إعداده بناءً على طلب من وزير الداخلية، برونو ريتايو، أكد أن جماعة «الإخوان» تسعى لبناء «مجتمعات موازية»، ما يشكل تهديداً لهوية فرنسا، مشيراً إلى أن التهديد «الإخواني» يتجلى عبر «الزحف الهادئ»، واختراق البنى الاجتماعية والثقافية والتربوية، وذلك عبر شبكة من الجمعيات، والمساجد، والمدارس، والمنصات الرقمية. أيضاً، تزامنت هذه الإجراءات الفرنسية مع صدور تقرير آخر لوكالة «يوروبول» حول وضع الإرهاب في الاتحاد الأوروبي، الذي سلط بدوره الضوء على حجم التحدي الأمني والمالي الذي تشكله الجماعات المتطرفة، مشيراً إلى أنه خلال العقد الماضي، تم رصد أكثر من 140 مليون يورو مشبوهة مرتبطة بالإرهاب.
إن هذه الصحوة الفرنسية، خاصة، والأوروبية عامة، رغم أنها جاءت متأخرة، فإنها تشكل دون شك تطوراً بالغ الأهمية، من شأنه أن يزيد من حدة الضغوط التي تتعرض لها هذه التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها جماعة «الإخوان»، لاسيما أن أوروبا تمثل ساحة تحرك رئيسية لهذه الجماعة، التي تستغل ثغرات النظام الليبرالي الفرنسي في التحرك وحشد التمويل والتعبئة لتنفيذ مخططاتها وأجندتها، دونما تحرك جاد ومنسق من دول القارة العجوز في مواجهة هذه الجماعة وخطرها.
وقد سبق أن حذر من هذا الأمر سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية، منذ سنوات، عندما قال في عام 2017 إنه سيأتي يوم نرى فيه متشددين متطرفين وإرهابيين بصورة أكبر بكثير يخرجون من أوروبا، بسبب الافتقار إلى اتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب، أو افتراض أنهم يعلمون الشرق الأوسط، ويعلمون ما الإسلام، ويعرفون الآخرين بصورة أكثر مما نعرفهم نحن.
اللافت في الأمر أن الرأي العام الفرنسي كان متقدماً في نظرته المتوجسة من جماعة «الإخوان»، مقارنة بحكومته، ففي مؤشر أصدره مركز «تريندز» للبحوث والاستشارات عام 2023، ويرصد ويحلل توجهات الرأي العام العالمي بشأن جماعة «الإخوان» عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تم التوصل إلى نتائج مفادها أن الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي في فرنسا كانوا من بين الأكثر مناهضة لـ«الإخوان»، مقارنة بمجتمعات دول أوروبية أخرى، ما يعكس ارتفاع مستوى الوعي الجماهيري بخطر الجماعة وأفكارها المتطرفة.
وبشكل عام، فإن التحركات الفرنسية الأخيرة لتجفيف مصادر تمويل جماعة «الإخوان» تؤكد أن العالم بات يتعامل مع هذه الجماعة بوصفها مصدراً رئيسياً للتطرف، وليس مجرد تيار ديني أو حزب سياسي كما تزعم. كما أنها تعكس صحوة أوروبية، تقودها فرنسا، ضد محاولات اختراق المجتمعات عبر التمويلات المشبوهة والمؤسسات، التي تُستخدم كمنصات لنشر الفكر المتشدد تحت غطاء العمل الخيري أو الدعوي أو التعليمي.
*باحث رئيسي - رئيس قطاع «تريندز- دبي»- مركز تريندز للبحوث والاستشارات