أقدم الملياردير إيلون ماسك على خطوة متوقعة من ثري ذي شغف سياسي مثله، حيث أعلن عن إطلاق حزب سياسي ثالث مُكرس لقضية خفض العجز المالي. وبإنشائه «حزب أميركا»، يُكرس أغنى رجل في العالم ثروتَه لما يصفه بأنه «قوة مُركزة للغاية في موقع مُحدد على أرض المعركة».
وإذا حاولنا تحليل تغريدات ماسك فسنجد أنه يقصد بـ«القوة المركزة» استراتيجية للحزب الجديد تستهدف عدداً محدوداً من المقاعد التشريعية المتأرجحة، بهدف تشكيل تكتل برلماني يستطيع التأثير على الطرفين من خلال عرقلة تمرير أي قانون من دون أصواتهم الحاسمة.
خلال رئاسة جو بايدن كان الاقتراح الأجدر بالاهتمام بالنسبة لأنصار الأحزاب الثالثة هو إقناع مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ، غير الراضين بالتكتل كـ«مستقلين»، بتشكيل تكتل قوي يجمع أمثال جو مانشين وميت رومني وليزا موركوفسكي وسوزان كولينز وكيرستن سينيما. ويبدو أن فكرة ماسك القائمة على «القوة المركزة» تهدف إلى خلق تكتل مشابه، عبر اكتشاف شخصيات جديدة مثل موركوفسكي ومانشين، وتمكينها من الفوز في سباق انتخابي من دون اسم «جمهوري» ولا «ديمقراطي». وقبل الحديث عن محاولات «وزارة الكفاءة الحكومية» التي كان يتبناها ماسك، كنتُ سأقول إنه من الخطأ الرهان ضده تلقائياً.
أما الآن، فالأكثر أماناً هو الاعتراف بأن هذه الخطة غير مرجح لها النجاح، وأن ماسك قد يجد صعوبةً بالغةً في متابعتها بجدية. ونظراً لأن خطة مجلسيْ النواب والشيوخ تُعد تقدماً على غالبية أوهام الحزب الثالث، يمكن أن نستعرض العناصر اللازمة لنجاح ماسك في هذه المهمة. أولًا، لا يمكن لحزب «أميركا» أن يركّز على الولايات المترددة فحسب. وسنلاحظ أن من بين جميع أعضاء مجلس الشيوخ المستقلين أو ذوي الميول المستقلة المذكورين أعلاه، «سينيما» فقط يأتي من ولاية أريزونا التي تشهد منافسة حامية.
ومن المرجح أن تشهد الولاية ذات الأغلبية الزرقاء أو الحمراء استياءً مستمراً من الحزب الحاكم، أو تشهد حركةً سياسيةً لا تجد لنفسها مكاناً في الانتخابات الرئاسية الثنائية المعتادة، مثل المورمونية المناهضة لترامب في ولاية يوتا أو بقايا الجمهوريين الليبراليين في نيو إنغلاند. إذن، فالهدف المنطقي لحزب أميركا هو إقناع المزيد من سكان كنتاكي أو ماريلاند بإمكانية القيام بالشيء نفسه عند التصويت في مجلس الشيوخ، أي إرسال سيناتور مستقل إلى واشنطن. لكن المواقف والشعارات لا تكفي لتحقيق ذلك، بل يحتاج الأمر إلى بناء الثقة، وهي صعبة البناء من العدم. ولتحقيق ذلك يحتاج الحزب الجديد إلى نوع من المرشحين تسعى الأحزاب الكبرى لاستقطابهم. ولكي ينجح هذا النوع من الاستقطاب، يجب أن يبتعد الحزب عن هوية مؤسسه ومموله.
فالخطة الناجحة لحزب أميركا ربما يجب أن تكون غامضة، وهو ما سيُغضب المحللين بالطبع، مع تعريف نفسه بصورة سلبية باستمرار، أي بالوقوف ضد اليسار واليمين معاً. لكن ماسك نفسه معروف بمواقفه المحددة للغاية تجاه تخفيض البرامج الحكومية، وبالخطابات القوية التي تدعو لجعل أميركا عظيمة مجدداً. ويجب أن يكون تمويل الحزب من ماسك دون أن يكون ذا طابع «ماسكياً»، وأن يُنظر إليه على أنه مشروع أطلقه بنفسه لكنه رفض التدخل في تفاصيله، مع اعتبار مرشحيه الناجحين قادته الطبيعيين بدلاً من مالك «تسلا» نفسه.
ورغم أن ماسك بارع في الرهانات على جبهات توقع فيها المتشائمون فشلاً سريعاً، فإنه لا يجيد البقاء في الخلفية، وهو غير قادر على استنباط رغبات الناخبين المترددين. لذا، سيكون الاختبار الحقيقي لطموحاته في الحزب الثالث هو قدرته على التعلم من الهزيمة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز» *كاتب أميركي